وبهذا يتبين أن أحكام الذبح في أصل دين النصارى كانت باقية على نحو ما كانت عند اليهود, وكذلك كتب اليهود مملوءة بالأحكام التفصيلية للذبح, وجاء في كتاب مشنا، وهو المرجع الأساسي للأحكام المشروعة عند اليهود:
"إن ذبح المرء بشفرة يدوية أو بزجاج حاد أو بقصب، فإن ما يذبحه حلال, كل أحد يستطيع أن يذبح وفي أي وقت وبأية أداة، إلا بالمحصدة أو بالمنشار أو بالسن، أو بظفر الأصابع لأنها تخنق ".
وقد ذكرت بعض العبارات من كتب اليهود في بحثي، أنهم يوجبون مثل هذه الشروط وهذا يدل.
أولا: على أن المنخقة والموقوذة حرام في شريعتهم كما هو حرام في شريعتنا.
ثانيا: الظاهر أنهم يوجبون أن يكون الذبح لله، وبعبارة أخرى يذكر اسم الله، كما يظهر من رسالة بولوس إلى كورنثيوس والتي ذكرتها قبل قليل.
ثالثا: إن ابن العربي - رحمه الله- حينما أفتى بحل الدجاجة التي فتل نصراني عنقها في العبارة المنقولة من أحكام القرآن- إن صحت نسبتها إليه- فإنما أفتى على زعم منه أن المخنوقة حلال عند النصارى، لأنه علل هذه المسألة بقوله: "وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا"، وقد تبين من النصوص النصرانية أن زعمه هذا خاطئ، فإن كتبهم المقدسة تصرح بكون المخنوق حراما، كما حكينا في سفر أعمال الرسل.
رابعا: يتبين من هذه العبارات ما قاله الحافظ ابن كثير - رحمه الله- حيث قال: "وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه ".
خامسا: نظرًا إلى ما سردنا من النصوص النصرانية يتحصل من حلة المخنوقة والموقوذة بيد نصراني أنه لو كان الخانق أو الواقذ مسلما، فإن الحيوان حرام، ولو خنقه نصراني فإن الحيوان حرام في دين النصارى أيضا، ولكن لو أخذنا بقول ابن العربي يتحصل منه أن يكون حلالا للمسلمين، وإن كان حراما للنصارى.
فكأن كون الخانق من الكفار مزية تبرز أفعاله التي هي محظورة في شريعتنا وفي شريعتهم جميعًا, وإن هذه النتائج الباطلة بالبداهة إنما تحصل إذا قلنا: إن ما قتله أحد من أهل الكتاب حلال للمسلمين، ولو قتله بطريق غير مشروع, وما يؤدي إلى مثل هذه النتائج الباطلة باطل.
سادسا: إن ما يتميز به اليهود والنصارى بين سائر الكفار أمران: الأول: حل ذبيحتهم. والثاني: حل مناكحة نسائهم.