أما حالة النسيان فقد استثنيت بالأدلة العامة وببعض الأحاديث التي استثني فيها حالة النسيان في موضوع الذبح بنفسه، وجئت بهذه الأحاديث وتكلمت على إسنادها، وهي موجودة في بحثي.
وإزاء هذه الآيات والأحاديث المتكاثرة، من يستدل بحل ترك التسمية عمدا ربما يستدل بقول الله تعالى:{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}[المائدة: ٣] ، قائلا إن الله - سبحانه وتعالى- أطلق التذكية ولم يقيدها بالتسمية, لكن هذا الاستدلال ضعيف بالمرة، لأن الله- سبحانه وتعالى- استعمل كلمة (الذكاة) ، والذكاة بمعناها الشرعي يشمل شرط التسمية، والحديث الذي يستدل به من يحل متروك التسمية هو حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها- أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:((إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه)) ، وقالت: كانوا حديثي عهد بالكفر. وهذا لفظ البخاري. ولكن هذا الحديث لا يتم به الاستدلال على حقة على ما علم فيه باليقين أن ذابحه ترك التسمية عمدا، لأن غاية هذا الحديث حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، ومفاده أن المسلم إن قدم لحما أو طعاما فالظاهر أنه حلال مذبوح بطريقة شرعية، فيحمل على الظاهر، ونحن مأمورون بإحسان الظن بكل مسلم، فلا يجب البحث عن طريقة ذبحه ما لم يتبين أنه ذبحه بطريقة غير مشروعة. وإن هؤلاء القوم الذين وقع السؤال منهم كانوا مسلمين وإن كانوا حديثي عهد بالكفر، كما صرحت به عائشة - رضي الله عنها- فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل فعلهم على الظاهر، وهو أنهم ذكرو اسم الله عليه، ولا يلزم منه حل الذبيحة إذا تيقن الرجل أن ذابحها ترك التسمية متعمدا. فالحديث في حكم هذه الحالة، وأين ذلك من الحالة التي نعلم فيها بيقين أن الذابح ترك التسمية عن قصد وعمد وكيف تقاس الحالة الثانية على الأولى؟