هل الذكاة عبادة؟
قال ابن عبد البر: (٤٦٣ هـ) الفقيه المالكي:
"التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام " (١) .
ثم زاد هذه الفكرة وضوحا وتأصيلا بقوله: "التسمية على الذبيحة سنة مسنونة لا فريضة، ولو كانت فريضة ما سقطت بالنسيان، لأن النسيان لا يسقط ما وجب عمله من الفرائض, إلا أنها عندي من مؤكدات السنن، وهي أكد من التسمية على الوضوء وعلى الأكل " (٢) .
وكأني بابن العربي قد تلقف هذا المبدأ وعمل على تأصيل هذه الحكمة، بمناسبة تفسيره قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: ٣] فقال: "لا سيما والذكاة عبادة كلفها الله عباده للحكمة التي يأتي بيانها في سورة الأنعام.
إن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية، قال تعالى: { {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} "} [الحج: ٣٧] وقال: "إن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب " (٣)
إن الضابط العام الذي يجمع أنواع التذكية هو أن يكون إزهاق روح الحيوان بقصد أكله، ويشترط في ذلك شرط ديني واحد وهو: أن لا يكون فسقًا أهل لغير الله به من مسلم أو وثني مشرك بالله، كالذي كانوا يذبحون على النصب- وهي حجارة تنصب ويذبح عليها للأصنام- ويمكن الاستدلال على سنية التسمية في الذبح بحديث هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان، ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سموا عليها ثم كلوها)) .
قال مالك: "وذلك في أول الإسلام, وفيه من الفقه: أن التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام ". (٤)
قال الباجي: "يحتمل أن يريد به الأمر بالتسمية عند الأكل، لأن ذلك مما بقي عليهم من التكليف، وأما التسمية على الذبح تولاه غيرهم من غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على الصحة حتى يتبين خلافها". (٥)
ويحتمل، أن يريد به: أن سموا الله أنتم الآن، فتستبيحون به أكل ما لم تعرفوا ذكر اسم الله عليه أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته.
وقال الزرقاني: "ليس المراد أن تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية على الذبح، بل طلب الإتيان بالتسمية على الأكل.
قال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال.
وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت التسمية عن الذبيحة دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض ". (٦)
(١) ابن عبد البر- الاستذكار: ١٥/ ٢١٤
(٢) ابن عبد البر- الاستذكار: ١٥/ ٢١٤
(٣) ابن العربي- أحكام القرآن: ٢/ ٧٥٠
(٤) الموطأ-٤٨٨، ووصله البخاري عن عائشة في باب التوحيد (٧٣٩٨)
(٥) الباجي- المنتقى: ٣/ ١٠٥
(٦) الكاندهلوي- أوجز المسالك: ٩/ ١٢٠