للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

مسألة طعام أهل الكتاب

قال صاحب المنار:

إن المسألة ليست من المسائل التعبدية، وإنه لا شيء من فروعها وجزئياتها يتعلق بروح الدين وجوهره، إلا تحريم الإهلال في الذبيحة لغير الله تعالى، لأن هذا من عبادة الوثنيين وشعائر المشركين، فحرم أن نشايعهم أو نشاركهم فيه.

ولما كان أهل الكتاب قد ابتدعوا وسرت إليهم عادات كثيرة من الوثنيين الذين دخلوا في دينهم- لا سيما النصرانية- وأراد الله أن نجاملهم ولا نعاملهم معاملة المشركين- استثنى طعامهم فأباحه لنا بلا شرط ولا قيد كما أباح لنا التزوج منهم، مع علمه بما هم عليه من نزعات الشرك التي صرح فيها بقوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

على أنه حرم علينا التزوج بالمشركات بالنص الصريح، ولم يحرم علينا طعام المشركين بالنص الصريح، بل حرم ما أُهِلَّ به لغير الله.

فأمر الزواج أهم من أمر الطعام نفسه، والنص فيه عام قطعي في المشركين، وهو لم يمنع من التزوج بالكتابية، ولأجل كون حل طعام أهل الكتاب ورد مورد الاستثناء من المحرمات المذكورة بالتفصيل في سورة المائدة ... صرح بعض أئمة السلف: بأن النصراني إذا ذبح لكنيسته فإن ذبيحته تؤكل، مع الإجماع على أن المسلم إذا ذبح وذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة فإن ذبيحته لا تؤكل ... " إلى أن قال:"فهذه هي الحكمة في حل طعامهم ... لا كونهم يذبحون على وجه الخصوص ". (١)

قلت: إن ما انتهى إليه صاحب المنار ربما استفاده من مقتضى مذهب الإمام الشافعي، قال الماوردي: " إن التسمية عند الذبح في الضحايا واللحم، وعند إرسال الجوارح على الصيد سنة وليست بواجبة، فإن تركها ذاكرًا أو ناسيًا حلت الذبائح وصيد الجوارح ". (٢)


(١) المنار: ٧/ ٢٤١
(٢) الماوردي- الحاوي الكبير: ١٥/ ٩٥

<<  <  ج: ص:  >  >>