وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ، وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ، مَنْ أَعْظَمُ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ، عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ، وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ، مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ، وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ، وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقَنِّطُهُمْ - وَفِي لَفْظٍ - لَا أُوئِسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ فَإِنِّي أُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَأُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ» "، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[التَّنْبِيهُ الثَّانِي هل تجب التوبة من الصغائر]
((التَّنْبِيهُ الثَّانِي)) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ وُجُوبُ التَّوْبَةِ حَتَّى مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ مِنَ الصَّغَائِرِ تَوْبَةٌ ; لِأَنَّهَا تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: ٣١] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَوْجَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمُ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكَبَائِرِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَقِيبَ ذِكْرِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ بِالتَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: ٣٠ - ٣١] إِلَى قَوْلِهِ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور: ٣١] الْآيَةَ، وَأَمَرَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الصَّغَائِرِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: ١١] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: ١١] قَالَ الْحَافِظُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَوْجَبَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا التَّوْبَةَ مِنْهَا أَوِ الْإِتْيَانَ بِبَعْضِ الْمُكَفِّرَاتِ لِلذُّنُوبِ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بِامْتِثَالِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِتَكْفِيرِهَا بِذَلِكَ قَطْعًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَحَكَى عَنِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.