وَلَيْسَت القلال سَوْدَاء: فقلة عِنْدهم تكون قلَّة وَنصفا، وَقلة وربعا، وَقلة وَثلثا، وَلَا تعرف قلَّة تكون كقلتين فَهَذَا حد لَا تبلغه الْأَوَانِي، وَلَا ينزل مِنْهُ الْمَعْدن، فَضرب حدا فاصلا بَين الْكثير والقليل، وَمن يقل بالقلتين اضْطر إِلَى مثلهمَا فِي ضبط المَاء الْكثير - كالمالكية - والرخصة فِي آبار الفلوات من نَحْو أبعار الْإِبِل فَمن هُنَا يَنْبَغِي أَن يعرف الْإِنْسَان أَمر الْحُدُود الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهَا نازلة على وَجه ضَرُورِيّ لَا يَجدونَ مِنْهُ بدا، وَلَا يجوز الْعقل غَيرهَا.
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المَاء لَا يجنب " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْمُؤمن لَا ينجس " وَمثله مَا فِي الْأَخْبَار من أَن الْبدن لَا ينجس وَالْأَرْض لَا تنجس.
أَقُول: معنى ذَلِك كُله يرجع إِلَى نفي نَجَاسَة خَاصَّة تدل عَلَيْهِ الْقَرَائِن الحالية والقالية فَقَوله: " المَاء لَا ينجس " مَعْنَاهُ الْمَعَادِن لَا تنجس بملاقاة النَّجَاسَة إِذا أخرجت، ورميت، وَلم يتَغَيَّر أحد أَوْصَافه، وَلم تفحش، وَالْبدن يغسل، فيطهر، وَالْأَرْض يُصِيبهَا الْمَطَر وَالشَّمْس، وتدلكها الأرجل فَتطهر، وَهل يُمكن أَن يظنّ ببئر بضَاعَة أَنَّهَا كَانَت تَسْتَقِر فِيهَا النَّجَاسَات؟ ! كَيفَ وَقد جرت عَادَة بني آدم بالاجتناب عَمَّا هَذَا شَأْنه، فَكيف يستقى بهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ بل كَانَت تقع فِيهَا النَّجَاسَات من غير أَن يقْصد إلقاؤها كَمَا تشاهد من آبار زَمَاننَا، ثمَّ تخرج تِلْكَ النَّجَاسَات، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام سَأَلُوا عَن الطَّهَارَة الشَّرْعِيَّة الزَّائِدَة على مَا عِنْدهم، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء " يَعْنِي لَا ينجس نَجَاسَة غير مَا عنْدكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا تَأْوِيلا وَلَا صرفا عَن الظَّاهِر بل هُوَ كَلَام الْعَرَب فَقَوله تَعَالَى:
{قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم} الْآيَة.
مَعْنَاهُ مِمَّا اختلفتم فِيهِ، وَإِذا سُئِلَ الطَّبِيب عَن شَيْء فَقَالَ لَا يجوز اسْتِعْمَاله عرف أَن المُرَاد نفي الْجَوَاز بِاعْتِبَار صِحَة الْبدن، وَإِذا سُئِلَ فَقِيه عَن شَيْء فَقَالَ لَا يجوز عرف أَنه يُرِيد نفي الْجَوَاز الشَّرْعِيّ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.