بِأَنَّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فينا ... ويخصِمُ مَنْ يكونُ له حجيجا
١ ثَنَّى مكة، وهي واحدة؛ لأن لها بطَاحًا وظواهر، وقد ذكرنا من أهل البطاح، ومن أهل الظواهر فيما قبل، على أن للعرب مذهبًا في أشعارها في تثنية البقعة الراحدة، وجمعها، نحو قوله: وميت بغزات، يريد: بغزة، وبغادين في بغداد، وأما التثنية فكثير نحو قوله: بالرقمتين له أجر وأعراس ... والحمتين سقاك الله من دار وقول زهير: "ودار لها بالرقمتين" وقول ورقة من هذا: "ببطن المكتين". لا معنى لإدخال الظواهر تحت هذا اللفظ، وقد أضاف إليها البطن، كما أضافه المبرق حين قال: "ببطن مكة مقهور ومفتون" وإنما يقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة، أو الإضارة إلى أعلى البلدة وأسفلها، فيجعلونها اثنين على هذا المغزى، وقد قالوا: "صدنا بقنوين"، وهو هنا اسم جبل، وقال عنترة: شربت بماء الدِّحرضين وهو من هذا الباب في أصح القولين، وقال عنترة أيضًا: بعنيزتين وأهلنا بالعيلم وعنيزة اسم موضع، وقال الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما وإنما هو مربد البصرة. وقولهم: تسألني برامتين سلجما وإنما هو رامة. وهذا كثير. وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة وبستان، فتسميها جنتين في فصيح الكلام، إشعارًا بأن لها وجهين، وأنك إذا دخلتها، ونظرت إليها يمينًا وشمالًا رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قوة، وصدرك مسرة، وفي التنزيل: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سبأ: ١٥] إلى قوله سبحانه: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سبأ: ١٦] وفيه: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} [الكهف: ٣٢] الآية. وفي آخرها: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} [الكهف: ٣٥]