للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

"لَقَدْ رأيتُني فِي غلمانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لبعضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تعرَّى، وَأَخَذَ إزارَه، فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ الحجارةَ، فَإِنِّي لأقْبل مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ، إذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ -مَا أَرَاهُ- لَكْمَةً وَجِيعَةً ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إزارَك. قَالَ: "فَأَخَذْتُهُ وَشَدَدْتُهُ عليَّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أحملُ الحجارةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عليَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي"١.

حَرْبُ الفِجَار:

قَالَ ابْنُ هشامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أربعَ عشْرةَ سَنَةً، أَوْ خَمسَ عشْرةَ سَنَةً -فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبيدة النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرو بْنِ العَلاء-هاجت حرب الفِجَار٢ بين قريش ومن معها من كِنانة، وبين قَيْس عَيْلان.


١ وهذه القصة إنما وردت في الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-ينقل الحجارة مع قومه إليها، وكانوا يجعلون أزُرهم على عواتقهم لتقيهم الحجارة وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحملها على عاتقه، وإزاره مشدود به، فقال له العباس رضي الله عنه: يابن أخي! لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشيًّا عليه، ثم قال: إزاري إزاري! فشُد عليه إزاره، وقام بحمل الحجارة، وفي حديث آخر: أنه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه، وسأله عن شأنه فأخبره أنه نُودي من السماء: أن اشدد عليك إزارك يا محمد، قال: وإنه لأول ما نودي، وحديث ابن إسحاق إن صح أن كان في حال صغره إذا كان يلعب مع الغلمان فمحمله أن هذا الأمر كان مرتين، مرة في حال صغره ومرة في أول اكتهاله عند بنيان الكعبة. انظر: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص٢٠٨-٢٠٩".
٢ الفجار بكسر الفاء بمعنى: المُفَاجَرة كالقتال والمقاتلة، وذلك أنه كان قتالا في الشهر الحرام، ففجروا فيه جميعًا، فسمي: الفجار.
فجارات العرب: وكانت للعرب فجارات أربع، ذكرها المسعودي، آخرها: فجار البراض المذكورة في السيرة وكان لكنانة ولقيس فيه أربعة أيام مذكورة: يوم شَمطة، ويوم العبلاء، وهما عند عكاظ، ويوم الشَّرِب، وهو أعظمها يومًا، وفيه قيد حرب بن أمية وسفيان، وأبو سفيان أبناء أمية أنفسهم كي لا يفروا، فسُموا: العنابس، ويوم الحريرة عند نخلة، ويوم الشرب انهزمت قيس إلا بني نضر منهم، فإنهم ثبتوا، وإنما لم يقاتل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مع أعمامه، وكان ينبل عليهم، وقد كان بلغ سن القتال؛ لأنها كانت حرب فجار، وكانوا أيضًا كلهم كفارًا، ولم يأذن الله تعالى لمؤمن أن يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا.

<<  <  ج: ص:  >  >>