تقليداً، أو اقتناعاً عارياً عن الفكر والبرهان، ويبقى حائراً يتهرب من تساؤلات العقل أو مما يوجه إليه من نقد.
وإما أن يتوجه إلى الفلسفة التي تشبع نهمته في النظر والاستدلال، وتحقق مطلبه في الاستقلال، إلا أنها لا تضعه على يقين في أي مطلب كان.
وكل من جرب الفلسفة خرج بهذا الاقتناع من عدم جدوى الفلسفة لطالب الحقيقة. فهي لا تعدو أن تكون مضماراً للفكر، والتساؤل، والنقد الهادم١. يمارسها الفيلسوف كرياضة يزجي بها وقته،
١ النقد الهادم: هو ما دأب عليه الفلاسفة من مجابهة العقائد والنظريات والأفكار بسيل من التساؤلات والمعارضات، مما يؤدي إلى التشكيك، وإضعاف ثقتهم وثقة من يستمع إليهم بها. ثم هم عاجزون عن تقديم الجواب والتصور السالم من المعارضة. فيبقون حيارى. ومما زاد أمرهم سوءاً وحالهم ظلمة أنهم لا يقيمون وزناً لعلماء الدين الإِسلامي، ولا ينتفعون بإجاباتهم وحججهم، لما رسخ في أذهانهم من سذاجة علماء الدين وضعف حجتهم بسبب جهلهم بالفلسفة. وقد أقام اللَّه عليهم الحجة بعلماء فهموا الإسلام فهماً سليماً، ودرسوا الفلسفة وأتقنوها، ثم بينوا تعارض الفلاسفة وتناقضهم وحيرتهم، وأجابوا عن كثير من معارضاتهم التي أثاروها على الحق والدين الخاتم، كما فعل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه اللَّه - في كتابة العظيم (درء تعارض العقل والنقل) . حيث خاطبهم بأساليبهم واصطلاحاتهم، وأرى أن الكتاب يحتاج إلى جهد للتوسع في نشره، تمكيناً لحجة اللَّه على الناس، وأهم الخطوات في ذلك ما يلي: ١ - أن تفرد كل مسألة بمجلد مستقل بُجمع فيه ما يتصل بها من سائر المجلدات. ٢- أن يتولى ذلك جهة علمية متخصصة. ٣ - ترجمة الكتاب إلى اللغات العالمية المشهورة. فإن الحاجة ملحة الآن لمثل هذه العمل، حيث ضعف تعلق المفكرين في العالم بالفلسفة وازدادت حاجتهم وتطلعهم إلى مصدر واضح صحيح يجيب على تساؤلاتهم، ويلبي حاجاتهم العلمية في معرفة الحكمة من الحياة، وما بعدها، وفي المطالب الإلهية والغيبية، وقاعدة الخير والشر والأخلاق.. ونحوها.