للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بمثلها، كما يثيب على الحسنة بمثلها. فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول. فهم زاغوا أولاً فجازاهم اللَّه بإزاغة فوق زيغهم.."١.

وإذا تقرر ذلك - وهو أن اللَّه يجازي عباده بما يستحقون من الهداية، أو الإضلال والختم على القلوب والأسماع، كما تقتضيه الحكمة، وعلم اللَّه بحالهم، وأن أفعالهم أسباب لفعل اللَّه بهم، وأن المُسَبَّب يأتي بعد السبب لا قبله - فيبقى بيان علاقة ذلك بالقدر السابق، وبيان كيف يستقيم هذا الفهم مع ما ورد من أن اللَّه كتب عليهم ذلك، وقدّره عليهم قبل أن يخلقهم، والقدر حكم لازم لا مخلص منه.

وبيان ذلك يكون في المسألتين الآتيتين:

المسألة الأولى: في بيان أهم معالم الإِيمان بالقدر.٢

إِن الإِيمان بالقدر كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة يشمل:

الإيمان بأن اللَّه - تعالى - كتب ما اشتمل عليه علمه الأزلي من مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأراد وقوعها لآجالها إرادة كونية٣، لاقتضاء الحكمة


١ شفاء العليل، ص (٢٧٩) .
٢ "معالم الإِيمان بالقدر" هي التي تسمى: "مراتب الإِيمان بالقدر"، باعتبار فعل العبد. أو: "مراتب القدر" باعتبار صفة الرب تعالى وفعله.
٣ الإرادة المنسوبة إلى اللَّه نوعان:
الإرادة الكونية: وهي متعلقة بالخلق والإيجاد. وأمر اللَّه المتوجه إلى سائر المخلوقات بما يريد خلقه وإيجاده. كما قال تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس٨٢) وهي نافذة لا يتخلف عنها المراد {فَعَّالٌ لما يُرِيد} (البروج ١٦) وهذه الإرادة متعلقة بحكمة اللَّه الكونية، أي أنه سبحانه يخلق ويوجد، ويصرف خلقه كما تقتضيه حكمته من تهيئة الكون بما يصلحه والأرض للعيش عليها، وما يحقق حصول الابتلاء والامتحان للعباد، وغير ذلك من الحِكَم التي يُعلم بعضها ويقصر العقل عن معرفة الكثير منها.
والإرادة الشرعية: وهي إرادة اللَّه المتعلقة بالشرع والتكليف، وأمره سبحانه المتوجه إلى المكلفين بما يحب أن يفعلوه وما يرضاه لهم من الشرائع والعبادات والأخلاق، كما في قوله تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ} (يوسف ٤٠) وهي إرادة متعلقة بالحكمة الشرعية أي أنه يشرع لعباده ما تقتضيه حكمة التكليف من حصول المصالح لهم كما في المعاملات والأخلاق، ودفع المفاسد كما في الحدود. وحصول محبوبات للَّه كما في العبادات. وقد ورد ذكر الإرادة الشرعية في بعض النصوص نحو: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:١٨٥) أي أن اللَّه شرع لعبادهِ الفطر في رمضان لمن كان مريضاً أو مسافراً لأنه يحب لهم اليسر. ولكن اليسر لا يحصل إلا لمن امتثل هذه الشرائع فأفطر.
ويمكن حصر الفروق بين الإرادة الكونية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة وبين الإرادة الشرعية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة فيما يلي:
١- الإرادة الكونية متعلقة بالخلق والإيجاد، والشرعية بالشرع والتكليف.
٢- الكونية لا يلزم منها محبة المراد فيخلق سبحانه ما يحبه وما لا يحبه. فخلق الأنبياء مثلاً وهو يحبهم. وخلق إبليس والكفار وهو لا يحبهم. أما الشرعية فهي متعلقة بالمحبة فلا يشرع لعباده إلا ما يحبه ويرضاه.
٣- الكونية نافذة لا محالة لا يتخلف عنها المراد، أما الشرعية فإنها لا تنفذ إلا فيمن جاء بالسبب وامتثل الشرع وانقاد للأمر، وتتخلف عمن أعرض عن الأمر.
٤- الكونية متوجهة إلى جميع المخلوقات، أما الشرعية فهي متوجهة إلى المكلفين.
انظر: مجموع الفتاوى (٨/١٥٩-١٦٠، ١٨٨-١٨٩) وشفاء العليل لابن القيم (٥٥٩-٥٦٧) وشرح العقيدة الطحاوية (٢٤٩-٢٥٤) الطبعة الثامنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>