ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يقع منه خلَلٌ وزلَلٌ، قال تعالى:{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: على علمٍ ويقينٍ {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وفيه من الوعيد الشَّديد والتَّخويف ما يوجب ترك الزَّلل، فإنَّ العزيزَ القاهرَ الحكيمَ إذا عصاه العاصي قهَرَه بقوَّته، وعذَّبه بمقتضى حكمته، فإنَّ من حكمته تعذيبَ العصاةِ والجناةِ». (١)
وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: ١٠٢]. وقال سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[التغابن: ١٦]؛ فمن اتَّقى الله تعالَى بكلِّ استطاعته، وبذل الجهد في ذلك حتَّى مماته؛ فقد اتَّقى ربَّه العظيمَ حقَّ تُقاته.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله سبحانه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}: «أنْ يُطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر». (٢)
(١) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان» [البقرة: ٢٠٨]. (٢) أخرجه ابن المبارك في «الزُّهد» (٢٢)، وعبد الرزاق في «التَّفسير» (١/ ١٢٩)، والطبريُّ في «جامع البيان» (٧٥٣٦ - ٧٥٤٣)، وابن أبي حاتم في «التَّفسير» (٣٩٠٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٩٤:٣١٥٩)، وأبو نُعيم في «حِلْية الأولياء» (٧/ ٢٣٨). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» [آل عمران: ١٠٢]: «هذا إسناد صحيح موقوف». وقال الفخر الرازي في «التفسير الكبير» [آل عمران: ١٠٢]: «أما الذين قالوا: إن المراد هو «أن يُطاع فلا يعصى» فهذا صحيح، والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السَّهو والنسيان فغير قادح فيه، لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، وكذلك قوله: «أن يشكر فلا يكفر» لأن ذلك واجب عليه عند خُطور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: «أن يذكر فلا ينسى» فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنَّوه أنه منسوخ». قلتُ: والقول بأنَّ الآية محكمةٌ لا نسخَ فيها مرويٌّ عن ابن عباس وطاووس، ووافقهما المحقِّقُون من العلماء، انظر: «النَّاسخ والمنسوخ» لأبي جعفر النحاس (ص ٨٦)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (١/ ٣٢٨)، و «المحرَّر الوجيز» لابن عطيَّة [آل عمران: ١٠٢].