وقد تقدم الاستدلال به، ومناقشةِ وجه الدلالة في المبحثِ الأولِ مِنْ هذا الفصلِ.
الدليل السادس: أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ بمذهب أحدٍ مِن الأئمةِ الأربعةِ، ولا أَمَرَ به رسولُه - صلى الله عليه وسلم -، فمِنْ أينَ لكم اتباعُ عالمٍ بعينِه دون غيرِه من العلماءِ؟ ! (١).
مناقشة الدليل السادس: يمكن أن يناقش الدليل: بأنَّه يُسلَّمُ لكم أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ، ولذا لم نقلْ بوجوبِه، لكنَّ الله أجازَ لمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ أنْ يأخذَ أقوالَ العلماءِ، وإذا جازَ أخذُ أقوالِ العلماءِ، جازَ الاقتصارُ على أخذِ أقوالِ واحدٍ منهم.
الدليل السابع: أنَّ المتمذهبين بمذهبِ إِمامٍ معيّنٍ خالفوا أمرَ الله تعالى وأمرَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وارتكبوا ما نهاهم عنه إِمامُهم، وسلكوا ضدَّ طريقِ أهلِ العلمِ، وبيان هذا: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما تنازع فيه المسلمون إِليه، وإلى رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك في قولِه تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(٢)، والمقلِّدون لإِمامِهم ردّوا ما تنازعَ الناسُ فيه إِلى إِمامِهم.
وأَمَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عند الاختلافِ بالأخذِ بسنتِه، وسنةِ خلفائِه الراشدين، والمقلِّدون لإِمامِهم أخذوا بقولِ إِمامِهم وتمسّكوا به.
وخالفوا إِمامَهم؛ فالأئمة نَهَوا عن تقليدِهم، وحذروا منه، كما سيأتي بعد قليل.