ولو أَخَذَ بقولِ أحدِهما تقليدًا عُدّ مخاطرًا مذمومًا، ولم يُمْدَحْ، بلْ عليه أنْ يطلبَ الصوابَ مِنْ خارجٍ؛ ليتبيّنَ له المصيبُ (١).
ويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: إِنْ كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، والترجيحِ بينها، فلا يُسلَّمُ لكم أنَّ صوابَه في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه مِن اجتهادِه، بلْ لو نَظَرَ المتمذهبُ المتأهلُ في الأدلةِ، فأخطأَ الحكمَ، فهو خيرٌ ممَّا لو قلَّدَ إِمامَه فأصابَ؛ لأنَّه باجتهادِه قد أدَّى ما عليه - وهو أخذ الحكمِ مِنْ دليلِه - وخطؤه مغفورٌ له.
الدليل السادس عشر: قياسُ التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعةِ والاقتصار على واحدٍ منها على الاقتصارِ على إِحدى القراءاتِ السَبعِ، فإِذا جازَ للمسلمِ أنْ يقرأَ القرآنَ بإِحدى القراءاتِ السبعِ مقتصرًا عليها (٢)، فيجوزُ له أنْ يتمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (٣).
مناقشة الدليل السادس عشر: إِنَّ القياسَ المذكورَ في دليلِكم غيرُ صحيحٍ؛ للفارقِ البيّنِ بين القراءاتِ السبعِ، والمذاهب الفقهيةِ، ووجه الفرقِ: أنَّ القراءات متواترةٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسِه، وقد قَرَأ بها تسهيلًا على الناسِ، فكلُّها حقٌّ، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فأكثرُ مسائلِها آراء، تحتملُ الصوابَ والخطأَ، ولا يمكنُ القولُ بأنَّها كلها صوابٌ (٤).
وأيضًا: فالقراءاتُ وإن اختلفتْ في اللفظِ إِلَّا أنَّ المعنى واحدٌ، أو متقاربٌ (٥)، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فبينها اختلافٌ معنوي في كثيرٍ مِن المسائلِ.
(١) انظر: المصادر السابقة. (٢) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ٢٠٥). (٣) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٢٠ وما بعدها)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٨)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١١١). (٤) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعبَّاسي (ص/ ٩٥)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩). (٥) انظر: الرد على من اتَّبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣١ - ٣٢).