ويقولُ أبو شامةَ المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) عن حالِ بعضِ متمذهبي عصرِه: "ثمَّ تفاقمَ الأمرُ، حتى صارَ كثيرٌ منهم لا يرون الاشتغالَ بعلومِ القرآنِ والحديثِ، ويَعِيبُون مَنْ يعتني بهما، وَيرَوْنَ أنَّ ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبةُ عليه، وتَقْدِمَتُه بين يديه مِن الاحتجاجِ للمذاهب بالآراء، وكثرةِ الجدالِ والمراءِ ... " (٢).
ويقولُ الشوكانيُّ: "تَجِدُ المصنّفين في علمِ الفقهِ يُعَوّلون في كثيرِ مِن المسائلِ على محضِ الرأي، ويُدَوِّنُونه في مصنّفاتِهم، وهم لا يشعرون أنَّ في ذلك سنةً صحيحةَ يعرفُها أقل طالب لعلم الحديثِ، وقد كَثُرَ هذا جدًّا مِن المشتغلين بالفقهِ ... " (٣).
ويظهرُ أنَّ زعمَ بعضِ المتمذهبين أنَّ النظرَ في الكتابِ والسنةِ مِنْ خواصِّ المجتهدين، أَوْرَثَ عند كثيرِ منهم إعراضًا عن الاستدلالِ والاشتغالِ بهما؛ بحجةِ أنَّهم غيرُ مجتهدين (٤).
يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) حاكيًا هذه الشبهةَ: "قد يقولُ قائلون منهم: نحن لم نُرْزَقْ مِن العقلِ والفهم ما يمكننا أنْ نأخذَ الفقهَ مِن القرآنِ وحديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.