فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَا تَحَقَّقْنَا اسْتِحْقَاقَهُمْ لَهُ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ مشكوكاً فيه، وقد يجوز أن يكون زَوْجَاتُهُ مِنْهُنَّ الْمُسْلِمَاتُ فَلَا يَكُونُ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ من مِيرَاثِهِنَّ حُقٌّ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَوْقُوفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مسألة]

قال الشافعي: " ولو أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ وثنيةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا فِي عِدَّتِهَا فَالنِّكَاحُ مفسوخٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنَّ النِّكَاحَ موقوفٌ كَمَا جعل نكاح من لم تسلم مَوْقُوفًا فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ عُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلِ امْرَأَتَهُ وَإِنِ انْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا امْرَأَةَ لَهُ فَيَصِحُّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهُ عَقَدَهُنَّ وَلَا امْرَأَةَ لَهُ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَسْلَمَ المشرك عن زوجة وثنية هي جَارِيَةٌ فِي عِدَّتِهَا فِي الشِّرْكِ فَنَكَحَ أُخْتَهَا، أَوْ خَالَتَهَا، أَوْ عَمَّتَهَا، أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا كَانَ نِكَاحُهُ بَاطِلًا.

وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِ الْوَثَنِيَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَطَلَ عَقْدُهُ عَلَى أُخْتِهَا وَعَلَى أَرْبَعٍ سِوَاهَا لِعِلْمِنَا أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَّتْ عدتها صح عقد عَلَى أُخْتِهَا وَعَلَى أَرْبَعٍ سِوَاهَا لِعِلْمِنَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً.

قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّةِ مَوْقُوفًا جَازَ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ أُخْتِهَا مَوْقُوفًا وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إِذَا لَمْ يَقَعْ نَاجِزًا لَمْ يَقَعْ مَوْقُوفًا، وكان باطلاً والعقد على أخت زوجته الوثنية لَيْسَ بِنِكَاحٍ فَبَطَلَ، وَلَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا أَلَّا تَرَاهُ لَوْ نَكَحَ مُرْتَدَّةً لِيَكُونَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِهَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ نَاجِزًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَكَحَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الْمُرْتَدَّةِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِهَا كَذَلِكَ إِذَا نَكَحَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الْوَثَنِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ نَكَحَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَكَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا كَنِكَاحِ الْمُرْتَدَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ.

فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِوَقْفِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حِلَّ النِّكَاحِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا وَعَقْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا لوقوع الفرق بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَاسْتَدَامَتِهِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ نَكَحَ مُحَرَّمَةً أَوْ مُعْتَدَّةً بَطَلَ نِكَاحُهَا لِوُجُودِ المنع في ابْتِدَائِهِ، وَلَوْ طَرَأَتِ الْعِدَّةُ أَوِ الْإِحْرَامُ عَلَيْهَا بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَمْنَعْ مَنِ اسْتَدَامَتِهِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ فَنَكَحَ الزَّوْجُ فِي الشِّرْكِ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْتُ الْمُسْلِمَةُ فِي الْعِدَّةِ، لأن مناكح الشريك مَعْفُوٌّ عَنْهَا، فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ الْمَنْكُوحَةُ فِي الشِّرْكِ، وَأُخْتُهَا بَاقِيَةٌ فِي الْعِدَّةِ صَارَ كَالْمُشْرِكِ، إِذَا أَسْلَمَ مَعَ أُخْتَيْنِ فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي إِمْسَاكِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ يُمْسِكُ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْمُتَأَخِّرَةِ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا ثَبَتَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ نِكَاحِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ نِكَاحَ الزَّوْجِ لَهُمَا مَعًا فِي الشِّرْكِ فَصَارَ حُكْمُ نِكَاحِهِ لِلثَّانِيَةِ بَعْدَ إِسْلَامِ الْأُولَى كَحُكْمِ نِكَاحِهِ لَهَا مَعَ شِرْكِ الْأُولَى اعْتِبَارًا بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ غيرها - والله أعلم -.

[مسألة]

قال الشافعي: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أو لم يسلم حتى انقضت فلها نفقة العدة في الوجهين جميعاً لِأَنَّهَا محبوسةٌ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ ".

<<  <  ج: ص:  >  >>