وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْمَنَافِعَ تَخْتَلِفُ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُ فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ إِنْ كَانَ عَلَى مَنَافِعَ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُدَّةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنَ الْعَبْدِ عَمَلُ مِثْلِهِ جَبْرًا إِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ طَوْعًا حَتَّى تَنْقَضِيَ مدة إجازته.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ الْإِجَارَةِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ يُعْتَبَرُ انْعِقَادُهَا بِأَرْبَعَةٍ: بِمُؤَجَّرٍ ومستأجر ومؤاجر وأجرة فأما المؤجر فهو بَاذِلُ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَائِعِ وَهُوَ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ مُوَلًّى عَلَيْهِ وَغَاصِبٍ لَمْ تَصِحَّ إِجَارَتُهُ وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ طَالِبُ الْمَنْفَعَةِ كَالْمُشْتَرِي وَهُوَ مَنْ صَحَّ شِرَاؤُهُ صَحَّ اسْتِئْجَارُهُ وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ مِنْ مُوَلًّى عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِئْجَارُهُ وَأَمَّا الْمُؤَاجِرُ فَهُوَ كُلُّ عَيْنٍ صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا صَحَّتْ إِجَارَتُهَا كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَنَافِعِهَا أَعْيَانًا كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَمَا لَمْ يَصِحَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَمْ تَصِحَّ إِجَارَتُهُ كَالدَّرَاهِمِ وَالْمَأْكُولِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الدَّرَاهِمِ بِإِزَالَتِهَا عَنِ الْمِلْكِ وَمَنْفَعَةَ الْمَأْكُولِ بِالِاسْتِهْلَاكِ.
فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُمَا لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهِمَا كَاسْتِئْجَارِ الدَّرَاهِمِ لِلْجَمَالِ وَاسْتِئْجَارِ الطعام ليعتبر مكيال فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِوُجُودِ الْمَعْنَى مِنْ حُصُولِ الِانْتِفَاعِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ مِنْ مَنَافِعِ ذَلِكَ وَالْأَغْلَبُ سِوَاهُ فَصَارَ حُكْمُ الْأَغْلَبِ هُوَ الْمُغَلَّبَ.
وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَضْمُونَةَ بِالْإِجَارَةِ هِيَ الْمَضْمُونَةُ بِالْغَصْبِ وَمَنَافِعُ الدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تُضْمَنَ بِالْإِجَارَةِ وَهَكَذَا مَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ أَعْيَانًا مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا ثِمَارٌ هِيَ أَعْيَانٌ يُمْكِنُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ حُدُوثِهَا فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا قَبْلَهُ وَهَكَذَا الْغَنَمُ فَإِنِ اسْتَأْجَرَ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ كَالِاسْتِظْلَالِ بِالشَّجَرِ أَوْ رَبْطِ مَوَاشٍ إِلَيْهَا أَوْ سُفُنٍ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا غَالِبًا فِيهَا وَمَقْصُودًا مِنْ مَنَافِعِهَا فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَادِرًا غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي الْعُرْفِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ الْعَقْدُ وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعَيْنِ فَهُوَ إِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَنْفَعَةَ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى الْعَيْنِ لِتَعْيِينِ الْمَنْفَعَةِ بِهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: الْعَقْدُ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْعَيْنَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنَ الْعَيْنِ مَقْصُودَهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ حِينَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْعَقْدُ إِلَيْهَا وَهَذَا خَطَأٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ غَيْرِ مُضَافَةٍ إِلَى عين كرجل استأجر من رجل عملاً مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً كَمَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا وَالْعِلْمُ بِهَا قَدْ يَكُونُ مِنْ وجهين:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.