وأما إشهادهم على أنفسهم فمعناه: أن الله جل وعلا نصب لبني آدم في خلقه الأدلة القاطعة الدالة على ربوبيته ووحدانيته، فشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقال لهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}[الأعراف:١٧٢] وكأنهم قالوا بلسان حالهم: (بلى أنت ربنا). (١)
ونظير هذه الآية في إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله جل وعلا: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)} [العاديات:٦ - ٧] أي: شهيد على ذلك بلسان حاله. (٢)
وعلى هذا القول تكون هذه الآية:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}[الأعراف:١٧٣] من باب التمثيل، كما في قوله جل وعلا:{فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}[فصلت:١١]. (٣)
- وهذا قول: بعض المفسرين كالزمخشري - والرازي - والبيضاوي - وأبي حيان - والقاسمي - ومحمد رشيد رضا. (٤)
- القول الثاني: أن معنى الآية هو: أن الله جل وعلا أخرج ذرية آدم من صلبه، وصلب أولاده وهم في صورة الذر، فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه ربهم وخالقهم، فأقروا بذلك والتزموه، فقالوا:(بلى أنت ربنا) بلسان المقال لا بلسان الحال.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (٥)
ومن أدلة هذا القول: ما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: مما أورده الإمام الطحاوي فيما تقدم. (٦)
(١) تفسير ابن جزي (١/ ٣٢٨). (٢) تفسير الشنقيطي (١/ ٤٣٢). (٣) تفسير الشوكاني (٢/ ٢٧٦). (٤) انظر: تفسير الزمخشري (٢/ ٥٢٩) - وتفسير الرازي (١٥/ ٥٠) - وتفسير البيضاوي (١/ ٣٦٦) - وتفسير أبي حيان (٥/ ٢١٨). وتفسير القاسمي (٣/ ٦٦٣) ومختصر تفسير المنار (٣/ ١٤٠). (٥) انظر: الروح لابن القيم (١٦٣) - وتفسير الشنقيطي (١/ ٤٣٢) - وتفسير الطبري (٦/ ١١٠). (٦) انظر: (٥١٠).