عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ مَذْهَبِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَمِيلُ إلَيْهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا يَخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّنْزِيهِ وَيُذْكَرُ مَنْ سِوَاهُمْ بِالْغُفْرَانِ وَالرِّضَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: ١٠] وَقَالَ {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: ١٠٠] وَأَيْضًا فَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ الرَّافِضَةُ وَالْمُتَشَيِّعَةُ فِي بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فَشَارَكُوهُمْ عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَسَاوَوْهُمْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمِ التَّبَعِ وَالْإِضَافَةِ إلَيْهِ لَا عَلَى التَّخْصِيصِ قَالُوا: وَصَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَجْرَاهَا مَجْرَى الدُّعَاءِ وَالرَّحْمَةِ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: ٦٣] وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لِدُعَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَبِي مُظَفَّرٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ شُيُوخِنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ حُكْم الْخُطْبَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ]
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي خُطْبَتِهِ الشَّهَادَةَ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِهِ ص (وَبَعْدُ فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ)
ش: بَعْدُ ظَرْفُ مَكَان مَقْطُوعٍ عَنْ الْإِضَافَةِ لَفْظًا لَا مَعْنًى وَلِذَلِكَ بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ وَالتَّقْدِيرُ وَبَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخُطَبِ وَالْكَلَامِ الْفَصِيحِ لِقَطْعِ مَا قَبْلَهَا عَمَّا بَعْدَهَا، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عَقَدَ لَهَا الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَتُسْتَعْمَلُ مَقْرُونَةً بِأَمَّا وَالْوَاوِ وَمَعَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى وَدُخُولُ الْفَاءِ بَعْدَهَا مَعَ أَمَّا وَاضِحٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ أَمَّا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَتَدْخُلُ عَلَى تَوَهُّمِ وُجُودِ أَمَّا وَتَكُونُ الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةً أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَمَّا مَحْذُوفَةٍ وَالْوَاوُ عِوَضٌ مِنْهَا أَوْ دُونَ تَعْوِيضٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْعَامِلُ فِي " بَعْدُ " الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ إذْ التَّقْدِيرُ وَبَعْدَ كَذَا وَكَذَا، فَأَقُولُ: وَعَلَى الثَّانِي فَالْعَامِلُ فِي " بَعْدُ " أَمَّا الْمَحْذُوفَةُ لِنِيَابَتِهَا عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ إذْ التَّقْدِيرُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَدْ سَأَلَنِي إلَى آخِرِهِ وَالْعَامِلُ فِي " بَعْدُ " الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِأَمَّا بَعْدُ فَقِيلَ: دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ، وَقِيلَ: قَسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَقِيلَ: يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَقِيلَ: سَحْبَانُ وَائِلٍ وَأَبَانَ أَوْضَحَ وَالْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَأَصْلُهُ الْأَثَرُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ وَاسْتَعَارَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَالتَّحْقِيقُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِمَعَالِمِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا إلَيْهِ وَالْمَعْرُوفُ فِي " سَلَكَ " أَنَّهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، قَالَ تَعَالَى {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} [الحجر: ١٢] وَقَالَ {مَا سَلَكَكُمْ} [المدثر: ٤٢] وَعَدَّاهُ الْمُصَنِّفُ بِالْبَاءِ كَأَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى دَخَلَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَنْفَعُ طَرِيقٍ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلَةُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: " بِنَا " لِلشَّيْخِ، وَمَنْ سَأَلَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " بِنَا وَبِهِمْ " فَالضَّمِيرُ لِلْمُصَنِّفِ فَقَطْ.
ص (مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.