فإن قال قائل: المعروف أن اسم التفضيل يشترك فيه المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، فهل في الجنة شر؟
الجواب: لا، ليس فيها شر، لكن هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:"خير صفوف النساء؛ آخرها وشرها أولها"(١) شرها يعني: الآخر ليس فيه شر، "وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها"(٢) وعكسه مثل قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)} [الفرقان: ٢٤] , مع أن أصحاب النار ليس عندهم خير ولا حسن المقيل، فمثل هذا التفضيل، يقول علماء البلاغة: هو تفضيل ليس في الطرف الآخر منه شيء سواء كان في خير أو في شر.
لو قال قائل: في قوله تبارك وتعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} قلنا: المشار إليه استهزاؤهم بالصلاة، أين الفعل الآخر الذي حصل بينه وبين الاستهزاء المفاضلة؛ لأن الله حكم عليهم باللعن لأنهم استهزؤوا، فهل تكون المفاضلة بين الاستهزاء والاستهزاء أم ماذا؟
الجواب: لا، المفاضلة بين حال الصحابة رضي الله عنهم وحال هؤلاء أيهما أشر، فقوله:{بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} أي: مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية، فيكون المعنى: عمل من لعنه الله.
لو قال قائل: قوله تعالى: {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ} ألا
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها، حديث رقم (٤٤٠) عن أبي هريرة. (٢) تكملة الحديث السابق.