١ - عن أبي موسى - رضي الله عنه - أنَّهم كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال:«أيُّها النَّاس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته»(١).
قال ابن بطال - رحمه الله - (٢): "ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا) نفي الآفة المانعة من السَّمع، ونفى الجهل المانع من العلم، وفى هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على أنَّه لم يزل سميعًا بصيرًا عالِمًا، ولا تصحُّ أضداد هذه الصفات عليه، وقوله:(قريبًا) إخبارٌ عن كونه عالِمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه شيء"(٣).
٢ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن تَقَرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقربَّت إليه باعًا»(٤).
ثالثًا: الرد على ابن عجيبة في تفسير القرب بوحدة الوجود
قال ابن تيمية - رحمه الله -: "ففي الجملة: ما نطق به الكتاب والسُّنَّة من قرب الرَّب من عابديه وداعيه هو مقيَّد مخصوص؛ لا مطلق عام لجميع الخلق فبطل قول الحلولية كما قال تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}(٥) فهذا قربه من داعيه، وأمَّا
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، ٢/ ٣٥٦، رقم ٢٩٩٢. (٢) أبو الحسن، علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي المالكي، المعروف بابن اللجام، توفي سنة ٤٤٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧، شذرات الذهب ٣/ ٢٨٣. (٣) شرح صحيح البخاري، لابن بطال ١٠/ ٤١٧. (٤) أخرجه مسلم، كتاب التوبة, باب في الحض على التوبة والفرح بها، ٤/ ٢١٠٢، رقم ٢٦٧٥. (٥) سورة البقرة: ١٨٦.