غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ تَمَامُ الِامْتِيَازِ بِمَا قُلْنَا كَانَ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ، وَيُكَنِّيَهُ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِكُنْيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ لَقَبٌ لَا يَغِيظُهُ ذَلِكَ، وَلَا يَشِينُهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ أَيْضًا لِزِيَادَةِ التَّعْرِيفِ فَأَمَّا ذِكْرُ الصِّنَاعَةِ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَوَّلُ مِنْ صِنَاعَةٍ إلَى صِنَاعَةٍ قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَأَمَّا نَحْنُ فَنَعْتَبِرُ ذَلِكَ كَمَا اعْتَبَرَ الْمَالِكُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ لِلتَّعْرِيفِ أَنْ يَكْتُبَ مُكَاتَبَ فُلَانٍ وَقَدْ يَتَحَوَّلُ مِنْهُ إلَى الْعِتْقِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِمَّا قَالَ: لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالصِّنَاعَاتِ التَّعْرِيفَ فَلَا يَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّعْرِيفِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعْرِيفَ، وَهُوَ الِاسْمُ وَالنَّسَبُ وَأَمَّا كَتْبُهُ الْحِلْيَةَ فَهُوَ حَسَنٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ، وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تُشْبِهُ الْحِلْيَةَ كَمَا أَنَّ النِّعْمَةَ تُشْبِهُ النِّعْمَةَ.
ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَى مِنْهُ جَمِيعَ الدَّارِ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَةَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّهُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْمُخْبَرِ عَنْهُ كَلَامٌ آخَرُ فَإِنَّهُ يُعَادُ الْخَبَرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَوْلُهُ: جَمِيعُ الدَّارِ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: الدَّارُ الَّتِي فِي بَنِي فُلَانٍ، وَلَكِنْ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْضَهَا فَذَكَرَ الْجَمِيعَ لِقَطْعِ هَذَا الْوَهْمِ ثُمَّ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُشْتَرَى، وَتَعْرِيفُ الْمُشْتَرَى إذَا كَانَ مَحْدُودًا بِذِكْرِ الْحُدُودِ وَالْبَلْدَةِ إلَّا أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَنَا يُبْدَأُ بِالْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ذِكْرُ الْبَلْدَةِ ثُمَّ الْمَحَلَّةِ ثُمَّ الْحُدُودِ وَأَبُو زَيْدٍ الْبَغْدَادِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَذْكُرُ فِي شُرُوطِهِ أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخَصِّ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَتَرَقَّى إلَى الْأَعَمِّ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيفِ بِالنَّسَبِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِاسْمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِهِ ثُمَّ بِاسْمِ أَبِيهِ ثُمَّ بِاسْمِ جَدِّهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْعَامُّ يُعَرَّفُ بِالْخَاصِّ وَالْخَاصُّ لَا يُعَرَّفُ بِالْعَامِّ فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَعَمِّ أَحْسَنَ لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّسَبِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَبْدَأُ بِاسْمِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعَمُّ، فَالْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ يَكْثُرُ فِي النَّاسِ عَادَةً ثُمَّ بِذِكْرِ اسْمِ أَبِيهِ يَصِيرُ أَخَصَّ بِهِ ثُمَّ بِذِكْرِ اسْمِ جَدِّهِ يَصِيرُ أَخَصَّ فَكَذَلِكَ يَبْدَأُ بِذِكْرِ الْبَلْدَةِ ثُمَّ بِذِكْرِ الْمَحَلَّةِ لِيَصِيرَ أَخَصَّ ثُمَّ بِذِكْرِ الْحُدُودِ.
وَإِذَا ذَكَرَ الْحُدُودَ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: أَحَدُ حُدُودِهَا يَنْتَهِي إلَى كَذَا، وَبَعْضُ أَهْلِ الشُّرُوطِ يَكْتُبُ: أَحَدُ حُدُودِهَا لَزِيقُ كَذَا أَوْ يُلَاصِقُ كَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ: أَحَدُ حُدُودِهَا دَارُ فُلَانٍ ثُمَّ كَتَبَ اشْتَرَاهَا بِحُدُودِهَا دَخَلَتْ الْحُدُودُ فِي الْبَيْعِ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَكْتُبَ: أَحَدُ حُدُودِهَا الدَّاخِلَةِ أَوْ الطَّرِيقُ الْعَامُّ ثُمَّ يَكْتُبَ: اشْتَرَاهَا بِحُدُودِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْبَقُ إلَى وَهْمِ أَحَدٍ بِهَذَا اللَّفْظِ لِشِرَاءِ الدِّجْلَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.