الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإِمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبانَ، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"استَقيموا ولن تُحْصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوء إلَّا مؤمنٌ"، وفي رواية للإِمام أحمد:"سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظُ على الوضوء إلَّا مؤمن"(١).
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"سددوا وقاربوا"(٢).
فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامة، وهو الإِصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيُصيبه، وقد أمرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليًّا أن يسألَ الله عزَّ وجلَّ السَّداد والهدى، وقال له:"اذكر بالسَّدادِ تسديدَكَ السَّهْمَ، وبالهدى هدايتَك الطَّريق"(٣).
والمقاربة: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه، ولكن بشرط أن يكونَ مصمِّمًا على قصد السَّداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ، ويدلُّ عليه قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي:"أيّها الناس، إنَّكم لن تعملوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكن سدِّدوا وأبشروا"(٤) والمعنى: اقصِدُوا التَّسديدَ والإِصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدِّدُوا في العمل كلِّه، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه.
فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصدِّيق وغيرُه قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[الأحقاف: ١٣] بأنَّهم لم
(١) صحيح وقد تقدم تخريجه. (٢) رواه البخاري (٥٦٧٣) و (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦)، وصححه ابن حبان (٣٤٨). (٣) رواه أحمد ١/ ٨٨ و ١٥٤، ومسلم (٢٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والنسائي ٨/ ٢١٩. (٤) حديث حسن رواه أحمد ٤/ ٢١٢، وأبو داود (١٠٩٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٦)، والطبراني في "الكبير" (٣١٦٥).