للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأجرة عليها.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم يدعون إلى الله بالعزة؛ لعلمهم أن الله معهم وهو مولاهم، ويمشون بالانكسار والتواضع؛ لعلمهم أن الهداية بيد الله وأنهم لا يملكون شيئاً، ويرحمون الناس ويشفقون عليهم، ويرفقون بهم، لعلهم يهتدون فينجون من عذاب الله؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلمون.

ولم يبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في معالجة تقاليد الجاهلية من خمر وزنى وميسر وربا من أول الأمر؛ لأنها إنما تقوم على جذور اعتقادية فاسدة، فعلاجها من فوق السطح قبل علاج جذورها جهد ضائع.

وإنما بدأ - صلى الله عليه وسلم - من شهادة أن (لا إله إلا الله).

وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله في القلوب حتى بلغت ثلاثة عشر عاماً في مكة، تم فيها تعريف الناس بإلههم الحق، وتعبيدهم له، وتطويعهم لسلطانه، وتذكير الناس بنعم الله على عباده، وبيان ثواب أهل الطاعة، وعقاب أهل المعصية، واطمأنت القلوب وأسلمت نفسها لله.

حتى إذا خلصت نفوسهم لله، وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله، وجاءت فيهم محبة الله ورسوله ودينه، واستعدت نفوسهم للطاعة وتنفيذ أوامر الله، بدأت التكاليف بما فيها الشعائر التعبدية وتفصيل أحكامها وأوقاتها ومقاديرها في المدينة.

وعندئذ بدأت تنقية رواسب الجاهلية في العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق.

بدأت في الوقت الذي يأمر الله بأمر فيطيع العباد بلا جدال، بل نزلت أوامر الدين في المدينة كالمطر فاستقبلوها بالطاعة التامة، وتلذذوا بأدائها وتنفيذها، وقالوا سمعنا وأطعنا لله ورسوله؛ لأنهم أسلموا وجوههم لله، فلا يختارون إلا ما اختاره الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)} [الأحزاب: ٣٦].

<<  <  ج: ص:  >  >>