للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن محمد البلوي. قال: لما جيء بأبي عبد الله الشافعي إلى العراق ادخل إليها ليلا على بغل قتب، وعليه طيلسان مطبق، وفي رجليه حديد وذاك أنه كان من أصحاب عبد الله بن الحسن، وأصبح الناس في يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة أربع وثمانين ومائة، وكان قد اعتور على هارون الرشيد أبو يوسف القاضي، وكان قاضي القضاة محمد بن الحسن على المظالم، فكان الرشيد يصدر عن رأيهما، ويتفقه بقولهما، فسبقا في ذلك اليوم إلى الرشيد فأخبراه بمكان الشافعي، وانبسطا جميعاً في الكلام، فقال محمد بن الحسن الحمد لله الذي مكن لك في البلاد، وملكك رقاب العباد، من باغ ومعاند إلى يوم المعاد، لا زلت مسموعاً لك ومطاعاً، فقد علت الدعوة وظهر أمر الله وهم كارهون، وإن جماعة من أصحاب عبد الله بن الحسن اجتمعت وهم متفرقون قد أتاك من ينوب، عن الجميع وهو على الباب، يقال له محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، يزعم أنه أحق بهذا الأمر منك، وحاش لله، ثم إنه يدعي من العلم ما لم يبلغه سنه، ولا يشهد له بذلك قدره وله لسان ومنطق ورواء، وسيحليك بلسانه وأنا خائف، كفاك الله مهماتك، وأقالك عثراتك. ثم أمسك. فأقبل الرشيد على أبي يوسف فقال: يا يعقوب قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: أنكرت من مقالة محمد شيئاً? فقال له أبو يوسف: محمد صادق فيما قاله، والرجل كما خلق. فقال الرشيد: لا خبر بعد شاهدين ولا إقرار أبلغ من المحنة، وكفى بالمرء إنما أن يشهد بشهادة يخفيها، عن خصمه. على رسلكما لا تبرحا. ثم أمر بالشافعي فأدخل فوضع بين يديه الحديد الذي كان في رجليه، فلما استقر به المجلس ورمى القوم إليه بأبصارهم، رمى الشافعي بطرفه نحو أمير المؤمنين وأشار بكفه كتابه مسلماً، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها، وزدنا فريضة قامت بذاتها، ومن أعجب العجب أنك تكلمت في مجلسي بغير أمري. فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً النور ٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>