للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

أما الجاهل فقد يكون جهله عامَّا، وقد يكون جزئياً منحصرا في مسألته التي قال فيها بغير علم، فإنه إذا كان مريدا للحق ولكن حبه للخير وإخلاصه لله دفعاه للقول على الله بلا علم، فإنه غالبا إذا نصح، وأخبر بأن ما قاله مخالف للشريعة، فإنه سرعان ما يرجع للحق وينيب إلى الله، أما صاحب الهوى، فإنه لا تعييه كثرة السبل، ولا يردعه الخوف من الله، ولكن تسيره الأهواء كورق الشجر حيث مال الهوى والشهوة مال معه وانقاد.

(وإنك لتعجب لجهل بعض الناس، تجده جاهلا معرضا عن العلم وأهله، منقادا لكل ناشئ ومحدث من القول، متتبعا للرخص الباطلة والزلات التي لا يتابع فيها أصحابها، فاقدا لأداة التمييز بين الأدلة المتعارضة، ومع ذلك تجده متفيهقا، متعالما، كالورم الخبيث، تراه تحسبه صحة، فإذا ما تفحصت الأمر وجدته سما زعافا، وقيحا منتناًً.

وهذا هو ما يسمه أهل العلم بـ: (الجاهل المركب). والبلاء كل البلاء يأتي من هؤلاء.

وهؤلاء غالبا، لا تنفع معهم الموعظة، إنما ينفع معهم قهر السلطان، لأنهم كثيرا ما يُغلِّبون الهوى والرأي على الدليل والحق. وسرعان ما تجد المحدثات في الدين، والأقوال الضالة تخرج من جيوبهم، ومن تحت أقدامهم. وهذا هو الجاهل الذي لا يدري أنه جاهل.

وآخرون جهلة مقرون بجهلهم، ولكن قد عرفوا قدر أنفسهم، فلم يتحملوا ما لا يطيقون حمله، وإن زل أحدهم رجع عن قوله بعد علمه بخطئه، وهذا هو ما يسميه أهل العلم بالجاهل البسيط وهو الجاهل الذي يدري أنه جاهل، وهذا سرعان ما تتقدم به المعرفة والعلم ويرتفع عن جهله شيئا فشيئا ما دامت هذه حاله، حتى يصل إلى ما هو خير مما هو عليه؛ ذلك لأن من عود نفسه اتباع الحق متى علمه فإن الله سبحانه وتعالى يهديه للحق، ويزيده هدى وعلما. ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.

(فالجهل في الدين خطره عظيم، لأنه أصل في القول على الله بلا علم، ولقد قال العلامة ابن جبرين -حفظه الله- في رسالة له بعنوان: (الجهل وآثاره السيئة ص: ٩): (الجهل ينقسم إلى قسمين: الأول جهل بالله وبعبادته، والثاني جهل بالشريعة وبالحقوق التي على الإنسان لربه سواء مما أمر بفعله أو أمر بتركه. والواجب أن يزيل هذا الجهلة) ا. هـ

وقال -حفظه الله- محذّرا من الجهل بالعقيدة (ص١٠): (لا يجوز للعبد أن يبقى على هذا الجهل الذي هو الجهل بالعقيدة) ا. هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>