للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

(وقال سفيان بن عيينة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.

(وقال البراء: لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا.

(رأى رجل ربيعة بن عبد الرحمن يبكي فقال: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم. ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق. وقال الإمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي بعدما ساق هذا الأثر: فكيف لو رأى زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين والعلماء الراسخين والمتجردين السابقين، ومع هذا فهم يفهمون فلا ينتهون وينبهون فلا ينتبهون قد أملي لهم بانعكاف الجهال عليهم وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم فمن أقدم على ما ليس له أهلا من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم فإن أكثر منه وأصر واستمر فسق .. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(وقال سحلول بن سعيد: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.

وكان إذا سئل رحمه الله يقول: إنما يفتي الناس مفت أو أحمق، وأنا لست بمفت ولا أريد أن أكون الآخر.

(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإن كان كارهاً لذلك غير مختار له وما وجد ممدوحة عنه، وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتاويه وجوابه أغلب.

(أسباب القول على الله بغير علم:

وللقول على الله بغير علم أسباب كثيرة، من أبينها وأوضحها وأخطرها أمران:

الأول: الجهل.

الثاني: الخصومات في الدين.

(السبب الأول: الجهل.

لقد نفرت الشريعة من الجهل في الدين، وحضت على العلم وطلبه، وبينت الفرق بين الفريقين فقال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: ٩]، وقد فرق رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين العالم والجاهل، وجعل فضل العالم على العابد كفضله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أدنى رجل من أمته، وكفضل القمر على سائر الكواكب. وما ذاك إلا لخطورة آثار الجهل في الدين وما ينتج عنه من عبادة الله بغير ما شرع، وإنشاء البدع والمحدثات.

والقائل على الله بلا علم لا يعدو حاله أمرين: الجهل، أو الهوى والابتداع.

<<  <  ج: ص:  >  >>