للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الأشياء التي استحدثوها لمحاربة التخفيف من الانتحارات المتزايدة_إنشاء مركز يتلقى مكالمات المقدمين على الانتحار، أو من لديهم مشكلة عاطفية، أو الذين يعانون من ضيق الصدر.

وهذه الخدمات تقدم ليلاً ونهاراً وبالمجان (١).

والعجيب في الأمر أن يكون للانتحار مؤيدون وأنصار، حيث تكونت في بريطانيا جمعية للمنتحرين، وأصدرت كُتَيِّباً وأخذت توزعه على أعضائها الذين يحبذون ويؤيدون حق المرضى بالانتحار عندما يتألمون، وعندما يقرر الطبيب أن حالتهم ميؤوس منها.

وقد نَص الكتيب على الوسائل السريعة والفعالة وغير المؤلمة التي يمكن أن تساعد الساعين إلى الانتحار على تنفيذ رغبتهم! (٢).

فلماذا ينتحر هؤلاء؟ ولماذا يستبد بهم الألم، ويذهب بهم كل مذهب؟

والجواب: أنهم فقدوا السبب الأعظم للسعادة، ألا وهو الإيمان بالله_عز وجل_فلم تغن عنهم حريتهم شيئاً، ولم يجدوا ما يطفىء لفح الحياة وهجيرها وصخبها؛ فلا يكادون يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم (٣).


(١) انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص ١٠٩و ١١١.
(٢) انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص ١٠٩و ١١١.
(٣) قارن أحوال الأمم الكافرة، وما تعيشه من ضيق، وإقدام على الانتحار بأحوال المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ حيث يقل عند المسلمين الانتحار، بل لا تكاد تذكر له نسبة في بعض بلدانهم مع ما يلاقي كثير منهم من ظلم، وفقر، ومرض.
ومع ذلك فإن إيمانهم_مهما ضعف_يحميهم_بإذن الله_عن الاسترسال مع الأوهام، أو الإقدام على الانتحار.
هذا عند عوام المسلمين فضلا عن خواصهم من العلماء العاملين، والعباد القانتين.
وهذا ما أدهش كثيراً من كتاب الغرب ومفكريه، وإليك هذه المقالة التي تحمل العنوان التالي:
=عشت في جنة الله+
والتي كتبها الكاتب الغربي المشهور (ر. ن. س. بودلي)، والذي أورد مقالته (ديل كارنيجي) في كتابه (دع القلق وابدأ الحياة) ص ٢٩١_٢٩٥، يقول بودلي: =في عام ١٩١٨م وليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية؛ حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى أنني ألفت كتابا عن محمد"عنوانه (الرسول)

وكانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي، وأحفلها بالسلام، والاطمئنان، والرضا بالحياة.
وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق؛ فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذاً سهلاً هيناً، فهم لا يتعجلون أمراً، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقاً على أمر.
إنهم يؤمنون بما قدر يكون، وأن الفرد منهم لن يصيبه إلا ما كتب الله له.
وليس معنى هذا أنهم يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي كلا+.
ثم أردف قائلاً: =ودعني أضرب لك مثلاً لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي (الرون) في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي يتزعزع من منابته؛ لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون.
ولكن العرب لم يشكوا إطلاقاً، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب).
لكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء، دون أن تبدو من أحدهم شكوى.
قال رئيس القبيلة_الشيخ_: لم نفقد الشيء الكبير؛ فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً له وشكراً؛ فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ من جديد+.
ثم قال بودلي: =وثمة حادثة أخرى، فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يوماً، فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق و الهم، وسألت صحبي من الأعراب: ماذا عسى أن نفعل؟
فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلاً، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق.
ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاثة إطارات ليس إلا، ولكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ.
وهنالك_أيضا_لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوؤهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيراً على الأقدام+.
وبعد أن استعرض (بودلي) تجربته مع عرب الصحراء علق قائلاً: =أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل أن الملتاثين ومرضى النفوس، والسكرين الذين تحفل بهم أمريكا وأوربا ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسا لها، إنني لم أعان شيئا من القلق قط وأنا أعيش في الصحراء، بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة والقناعة والرضا+.
وأخيراً ختم كلامه بقوله: =وخلاصة القول أنني بعد انقضاء سبعة عشرة عاماً على مغادرتي الصحراء ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقبل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة.
ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير الطبية+.

<<  <  ج: ص:  >  >>