للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وأما تقبل حكاية أبي الطيب إذا لم يسرق من البحتري إلا هذا البيت وأما سرقته منه أكبر من العذر وأشد تواتراً من ذنوب الدهر ولكن أخذ منه كما عود الله وظن ذلك قد خفي فما خوطب عليه علم أنه بيت منكشف وما يأمن أن بيته على استشفاف شعره فيؤخذ فيه كثير فرجع عنه وغيره بما لا فائدة فيه إذ ليس غريباً من فعل القنا أن يجوز من جنب إلى جنب آخر، وكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

ونالت ثأرها الأكباد منهُ ... فأولتهُ اندقاقاً أو صُدُوعا

هذا كلام ينقض بعضه بعضاً بينا هو يخبرنا بجوازه من الضلوع إلى الضلوع وما كان بهذه الصنعة فهو سالم غير مندق ولا متصدع إذ أخبرنا أن الأكباد نالت ثأرها منه باندقاقه وانصداعه فإذا اندق وانصدع لم ينفذ إلى الضلوع التي بعدها والعجب أن هذا القنا صادم عظام الأضلاع فلم يصدعه ولم يدقه وجازها فلما صار إلى الأكباد الرطبة التي تلين ملاقاتها عليه اندق وأنصدع ولو تأتى له أن يقول:) ونالت ثأرها الأيدي) من (الأكباد (لجاز أن يلحقه ذلك من مصادمة الأيدي إياها وهذا من قوله للتخريف وقلة التأمل.

وقال المتنبي:

وإن ماريتني فأركب حِصاناً ... وَمَثِّلْهُ تخرّ لهُ صَريعا

فقوله:) أركب حصاناً (من أغث عبارة كأنه لا يخر له صريعاً إلا فارس على فرس ولو رآه راجل ما خَرَّ له إلا أن يحتج محتج فيقول: إذا كانت هذه حال الفارس غنينا عن ذكر حال الراجل، وقد يكون الراجل أشجع من الفارس وأقتل للفرسان وهذه معان غير مستعملات وكلام ناقص ألما ولو قال فمثله يخر له صريعاً من غير ذكر ركوب الحصان كان أحسن وأعم للفارس والراجل وأحسن

<<  <   >  >>