للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَكَانَ يَهْتَدِي بِهَدْيِهِ، وَيَقْتَدِي بِفِعْلِهِ، وَيَسْلُكُ مَسَالِكَهُ، وَيَحْفَظُ مَا يَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَيَعُضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ.

وَمَا ذُكِرَ الرَّسُولُ أَمَامَهُ مَرَّةً؛ إِلَّا بَكَى لِفِرَاقِهِ.

وَقَدْ كَانَ إِلَى ذَلِكَ شَدِيدَ الْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ فَمَا تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)

إِلَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ.

وَفِي ذَاتِ مَرَّةٍ قَرَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ أَمَامَهُ قَوْلَ اللَّهِ ﷿:

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى (٢) بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ (٣) اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤)

فَجَعَلَ يَبْكِي أَشَدَّ الْبُكَاءِ وَيَذْرِفُ سَخِيَّ الدَّمْعِ؛ حَتَّى تَبَلَّلَتْ ثِيَابُهُ وَكَادَ الْبُكَاءُ يُقَطِّعُ نِيَاطَ (٥) قَلْبِهِ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ؛ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقُومَ إِلَى الْقَارِئِ وَيَقُولَ لَهُ: أَقْصِرْ (٦)؛ فَإِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ.

* * *

وَلَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ طُلَّابِ الْمَعْرِفَةِ يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ رَاغِبِينَ فِي أَنْ يُزَوِّدَهُمْ بِخَالِص نُصْحِهِ وَثَمِينِ إِرْشَادِهِ … فَكَان يُجِيبُهُمْ عَنْ طَلَبِهِمْ بِكَلِمَاتٍ بَاقِيَاتٍ


(١) سورة الحديد آية ١٦.
(٢) تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضِ: أي تستوي بهم؛ بأن يكونوا ترابًا مثلها.
(٣) يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا: يُنْكِرُونَ وَيُخْفُونَ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا مِمَّا عَمِلُوا.
(٤) سورة النساء آية ٤١ - ٤٢.
(٥) نِيَاطَ القَلْب: العروق التي يتعلق بها القلب.
(٦) أَقْصِر: أوجز.

<<  <  ج: ص:  >  >>