لا يرى غسلها في البيت (١) يجزيء، ومنهم من يدليها في البئر كفعل اليهود وما كانت الصحابة تعمل هذا بل قد صلوا في ثياب فارس لما فتحوها واستعملوا أوطئتهم (٢) وأكسيتهم. ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة، ومنهم من ترك الصلاة جماعة لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح (٣) عليه. ولا يظن ظان أننى أمنع من النظافة والورع ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيعة للزمان هي التي ننهي عنها.
ومن ذلك تلبيسه عليهم في نية الصلاة فمنهم من يقول: أصلى صلاة كذا، ثم يعيد هذا ظنا منه أنه قد نقض النية والنية لا تنقض وأن لم يرض اللفظ. ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه. فلت شعري ما الذي أحضر النية حينئذ وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة. وفي الموسوسين من يحلف بالله لا كبرت غير هذه المرة. وفيهم من يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق وهذه كلها تلبيسات إبليس. والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات وما جرى لرسول الله ﷺ ولا لأصحابة شيء من هذا. وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا.
وكشف هذا التلبيس أن يقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة لأنك قمت لتؤدي الفريضة وهذه هي النية ومحلها القلب لا اللفظ، وان كنت تريد تصحيح اللفظ فاللفظ لا يجب ثم قد قلته صحيحا فما وجه الإعادة أفتراك تظن وقد قلت إنك ما قلت هذا مرض.
قال المصنف: وقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة أن رجلا لقيه فقال: إني أغسل العضو وأقول ما غسلته، وأكبر وأقول ما كبرت. فقال له ابن عقيل: دع الصلاة فانها ما تجب عليك. فقال قوم لابن عقيل: كيف تقول هذا؟ فقال لهم قال النبي ﷺ: رفع القلم
(١) أي يكفي. (٢) الوطاء: ما تفترشه وهو خلاف الغطاء. (٣) انتضح الماء عليه: ترشش.