يقول: حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة ليعلم الناس قدر تعبه في طلب الحديث فما بورك له ومات في زمان الطلب.
قال المصنف: وهذا كله من الإخلاص بمعزل (١)، وانما مقصودهم الرياسة والمباهاة ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه، وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه ليتفرد هو بالرواية وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشخصين. وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب.
ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث قدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد، ودليل مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه وما كان القدماء هكذا، فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفا ثم يقول: وفي حديث الشيخ ما فيه.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، نا أبو سعيد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا بكران بن أحمد الجيلي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثا المحاسبي عن الغيبة، فقال: احذرها فإنها شر مكتسب وما ظنك بشيء يسلبك حسناتك فيرضى به خصماءك (٢) ومن تبغضه في الدنيا كيف ترضى به خصمك يوم القيامة، يأخذ من حسناتك أو تأخذ من سيئاته إذ ليس هناك درهم ولا دينار، فاحذرها وتعرف منبعها فان منبع غيبة الهمج والجهال من إشفاء الغيظ والحمية والحسد وسوء الظن وتلك مكشوفة غير خفية.
وأما غيبة العلماء فمنبعها من خدعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصح من الخبر ولو صح ما كان عونا على الغيبة، وهو قوله: أترعون (٣) عن ذكره اذكروه بما فيه ليحذره الناس (٤) ٠ ولو كان الخبر محفوظا صحيحا
(١) أي هو بعيد عنه. (٢) مفرده خصيم وهو المخاصم. (٣) أي تتورعون. (٤) رواه أبو يعلى والعقيلي وابن عدى وابن حبان والطبراني وغيرهم بلفظ: «اترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس». وفي سنده الجارود بن يزيد وقد رمي بالكذب وقد تفرد به وقال في «الميزان»: موضوع.