وجاء في أحكام القرآن للطحاوي:«قال بعضهم: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد، ومقدار ذلك مسيرة اليوم التام، وهو قول مالك ﵀، وقد روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس».
وكل ذلك سبق تخريجه عند بحث المسافة التي يسوغ فيها القصر، فارجع إليها.
الدليل الثاني:
صلى أهل مكة خلف النبي ﷺ في مكة فأتموا الصلاة، وصلوا خلفه في عرفة، ومزدلفة ومنى فقصروا الرباعية، وإذا كان أقل ما يمكث المكي إذا خرج من مكة يومان: يوم التروية، ويوم عرفة، وكان القصر من أهل مكة ليس من أجل النسك، وإنما من أجل السفر، ولهذا الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمزدلفي لا يقصر في مزدلفة وقد قال عمر ﵁ لأهل مكة: أتموا فإنا قوم سفر.
فعلل عمر قصره في مكة كونه مسافرًا، وإذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر ﵁ العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر، ومن ادعى أن عمر سوف ينهى المكي عن القصر في مكة، وهم محرمون، ولا ينهى العرفي في عرفة عن القصر، فعليه الدليل.
ولا يمكن تخريج قصر المكي في المشاعر مع قصر المسافة، إلا باعتبار المدة، فكان ذلك دليلًا على أن المسافة القصيرة في الزمن الطويل يعد سفرًا يبيح الترخص، وجعل مكث المكي يومين في المشاعر بمنزلة مسيرة يومين، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك … ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر … »(١).