ولم يتفق قط أن القضاة الأربعة يعزلون كلهم في يوم واحد إلا في هذه الواقعة التي جرت، فعد ذلك من الوقائع الغريبة.
ولما كان يوم الجمعة ثانيه أرسل السلطان يقول للقاضي كاتب السر:"أبصر لنا من يخطب ويصلي بنا صلاة الجمعة". فذكر له الشيخ علاء الدين الأخميمي الشهير بالنقيب، وكان يخطب في جامع الشيخ عبد القادر الدشطوطي، وكان علامة في الخطب والقراءة في المحراب، فلما ذكر للسلطان قال:"أعرفه". وكان تقدم للشيخ علاء الدين أنه خطي بالسلطان قبل ذلك عدة مرار في أيام قاضي القضاة ابن أبي شريف وفي أيام قاضي القضاة ابن فرفور، وكان الشيخ علاء الدين له شهرة طائلة عند الأتراك، وكان علامة في الرمي بالنشاب عارفا به وكان له اليد الطولى في ذلك، وكان عارفا باللغة التركية، وقد حوى كل فن من علوم شتى وهو نادرة عصره، فأرسل القاضي كاتب السر خلف الشيخ علاء الدين فتوجه إليه الحاج علي الأسمر البرددار، فقال له:"القاضي يقول لك اطلع واخطب بالسلطان". وكان يومئذ علامة عصره في أمر الخطبة، فقيل: إن الشيخ علاء الدين لما أراد أن يطلع يخطب بالسلطان توجه إلى قاضي القضاة كمال الدين الطويل واستأذنه في ذلك قبل أن يطع فقال له: "اطلع واخطب على بركة الله تعالى". فطلع في ذلك اليوم وخطب بالسلطان فترشح أمره بأن يلي القضاء، وكان ذلك من الأمور الربانية والسر المكنون. وقيل في أمثال الصادح والباغم في المعنى:
الرزق بالحظ وبالتقدير … وليس بالسعي ولا التدبير
ومنه:
تنال بالرفق وبالتأني … ما لم تنل بالحرص والتعني
وفي يوم الثلاثاء سادسه رسم السلطان بتوسيط مملوك من مماليكه وقد قتل قتيلا، فلما عرضوه على السلطان أراد ضربه بين يديه فتعترس قدام السلطان فحنق منه فرسم بتوسيطه، فوسطوه في الرملة.
وفي يوم الأربعاء سابعه كانت كاينة نور الدين المشالي والامرأة، وذلك أن السلطان رسم بشنقهما، فأمر يحيى بن نكار بأن يتوجه إلى دار الشيخ برهان الدين بن أبي شريف وينصب على بابه مشنقة، وكان ساكنا في بيت أبي البقا بن الجيعان في حارة أولاد الجيعان، وكان السلطان تقصد ذلك عمدا بسبب المقت في حق ابن أبي شريف لكونه أفتى بأمر الرجوع فاشتد غضب السلطان عليه بسبب ذلك، وأشيع بنفيه إلى القدس بطالا. فلما