للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الزينة أقامت سبعة أيام متوالية، والكوسات عمالة كل يوم نوبتين باكر النهار وبعد العصر، وهي بالقلعة وعلى أبواب الأمراء المقدمين. ولم يقع قط بمصر مثل هذه الواقعة في عافية سلطان ولا أمير، وهذا من باب الوجاهة والزوكرة للسلطان، فإن قضاة القضاة زينوا أبواب المدارس التي يسكنون بها حتى باب المدرسة الصالحية وخانقاه بيبرس وغير ذلك من الأماكن الجليلة، فعاب بعض الناس على القضاة هذه الفعلة، وقد صنع قاضي القضاة عبد البر بن الشحنة ردكا بأشجار وأحواض جلد على باب الخانقاه البيبرسية، فعد ذلك من البدع المنكرة وقد قال الناصري محمد بن قانصوه بن صادق:

لبرئك يا ذا الملك سرت نفوسنا … وقد زينت من بعد ما عطلت مصر

وأصبح ثغر الدهر مبتسما لنا … وفي وجنة الدنيا غدا ينظر البشر

وكان سبب إيشاع هذه الزينة أن الأخبار قد شاعت في البلاد الشرقية والغربية بأن السلطان قد عمي بعينيه الاثنتين، فأراد السلطان إظهار هذه الزينة حتى يشاع في البلاد أن السلطان قد شفي وزال عنه الألم الذي كان في عينيه، فأمر بزينة القاهرة ودق الكوسات حتى يشاع ذلك بدق الكوسات بالقلعة وعلى أبواب الأمراء.

وفي يوم الخميس سابعه جلس السلطان على المصطبة بالحوش وعين في ذلك اليوم خمسة أنفس من الأمراء المقدمين بأن يعملوا يرقهم ويتوجهوا إلى السويس، ثم بطل ذلك فيما بعد ولم يسافر منهم أحد، وكان أشيع سفر السلطان بنفسه إلى السويس ولم يتم ذلك، فشرع يقول للعسكر والأمراء: "جهزوا يرقكم فإني أسافر نصف الشهر"، وصنع أربع محفات، وجعل يعرض نوب هجن وبغال وغير ذلك.

وفي يوم الاثنين حادي عشره جلس السلطان في الميدان وفرق إطلاقات الطين على العسكر وكان غالب أراضي الجيزة شراقي، فردوا وصولات الإطلاقات وكادت أن تكون فتنة.

وفي يوم السبت نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى نحو قبة الأمير يشبك التي بالمطرية وبات بها، ورسم لنقيب الجيش بأن يطوف على الأمراء المقدمين قاطبة ويعلمهم بأن السلطان يوكب من القبة ويشق من القاهرة، وأرسل يعزم على الأمراء في القبة، فحضر إليه الأتابكي سودون العجمي والأمير أركماس أمير مجلس وبقية الأمراء المقدمين قاطبة، فباتوا عند السلطان بالقبة ومد لهم هناك أسمطة حافلة، فلما كان يوم الأحد ركب السلطان من القبة وقدامه الأمراء المقدمون قاطبة والأمراء الطبلخانات

<<  <  ج: ص:  >  >>