فأخلع على الجميع، وألبسوا الشرابيش، ونزلوا جميعا من دار العدل بالقلعة إلى المدرسة المنصورية، التى بين القصرين، وحضر جماعة من نوّاب القضاة، فحلّفوهم أن لا يخامروا على السلطان، ولا يركبوا ولا يثيروا فتنة.
وكانت هذه عادة قديمة إذا تأمرّ أحد (٢) من الأمراء يتوجّه إلى المدرسة المنصورية، وتحضر إليه القضاة يحلّفونه أن لا يعصى على السلطان؛ فلما توجّهوا هؤلاء (٣) الأمراء إلى المدرسة المنصورية، زيّنت لهم القاهرة، ولاقتهم المغانى والطبول والزمور، من القلعة إلى بين القصرين، وكان يوما مشهودا.
وفى شهر شوّال، فيه قدم الخبر بوصول رسل الفرنج إلى ميناء ثغر الإسكندرية، وأنهم طلبوا رهائن عندهم من أعيان تجّار الإسكندرية، حتى ينزلوا من مراكبهم، ويدخلوا المدينة، ويبيعوا ما معهم من البضائع، فخشى نائب الإسكندرية، أنّ هذه تكون مكيدة وحيلة منهم، فأرسل يعرّف السلطان بذلك.
ثم اقتضى الحال إجابتهم إلى ذلك، فرسم السلطان بإخراج جماعة من السجن المعروف بخزانة شمايل، فأخرج منها جماعة وجب عليهم القتل، وألبسوهم أثوابا فاخرة، وتوجّهوا بهم إلى ثغر الإسكندرية، وأشاع أنّهم من رؤساء تجّار الإسكندرية، فبعث بهم النائب إلى الفرنج رهائن كما طلبوا، وجعل من خلفهم نساء وأولادا يصيحون ويبكون كأنّهم عيالهم، وهم يخافون عليهم من الفرنج، فظنّ الفرنج أنّ ذلك حقّا،