مبايعة خمسة من السلاطين وهم: الناصر محمد بن قايتباى، وخاله الظاهر قانصوه، والأشرف جان بلاط، والعادل طومان باى، والأشرف الغورى، وولى تدريس قبة الإمام الشافعى رحمة الله عليه، وولى فى أواخر عمره مشيخة المدرسة الجمالية، وكان بيده عدّة تداريس، وألّف الكتب الجليلة فى العلوم المفيدة، وأفتى ودرّس بالقاهرة نحو ثمانين [سنة]، وانتفع منه غالب الناس. وخلف ولدا ذكرا من جارية سوداء.
فلما بلغ ملك الأمراء وفاته أرسل إليه ثوبا بعلبكيا وخمسين (١) دينارا على يد الأمير جانم الحمزاوى، وحضر غسله وفوّض عليه. وأخرجت جنازته من عند المدرسة السابقية، ومشى فى جنازته قضاة القضاة وأعيان الناس، وصلّى عليه فى سبيل المؤمنى، ونزل ملك الأمراء وصلّى عليه وحمل نعشه فى سبيل المؤمنى أوّل ما طلعوا به، وكانت جنازته حافلة. فلما صلّوا عليه توجّهوا به إلى مقام الإمام الشافعى رحمة الله عليه، ودفن عند الشيخ محمد الخبشانى تجاه (٢) قبر الإمام الشافعى ﵁، فكان أحقّ بقول القائل فيمن رثاه حيث قال:
لقد عظمت رزّيتنا فنبّه … لها عمرا ونم جنح الليالى
فلا زالت ذوو الأقدار تلقى … من الأيام أنواع النكال
وكم جنت المنون على رجال … وجندلت الكمّى بلا قتال
فوا عجبا لجوهرة عليها … بكيت من المدامع باللآلى
ودائى ليس يشفيه دواء … وجرحى لا يؤول إلى اندمال
به الأيام قد كانت قصارا … فويلى من لياليها الطوال
وكان ذخيرتى فيها وكنزى … وكان هدايتى عند الضلال
لقد درست دروس العلم حزنا … وقد ضلّ الجواب عن السؤال
ودقّ الناس أبواب الفتاوى … وقد وصلوا إلى باب الصيال
بكاك العلم حتى النحو أضحى … مع التصريف بعدك فى جدال
بكت أوراقه بيض المواضى … دما ويراعه سمر العوالى
(١) ثوبا بعلبكيا وخمسين: ثوب بعلبكى وخمسون.
(٢) تجاه: يجاه.