وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وذلك فى شهر شعبان فى سادسه، فكان مدة حياته أربعا وتسعين سنة إلا أياما، ولما مات حضر قضاة القضاة الأربعة وصلّوا عليه، وكان له جنازة حفلة، ودفن بحوش تربة الصوفة رحمه الله تعالى، ولما توفى الشيخ بدر الدين الزيتونى رثاه ولده القاضى بدر الدين محمد بهذه القطعة الزجل اللطيف، وهو قوله فيه:
يحقّ أن أرثى لموت والدى … كان أفصح النظّام وعقلو رجيح
فى درج الأكفان للقياما اندرج … واجب على فقد وبعزمى أصيح
كان والدى فى فن الأزجال تقصدو … حفّاظ مصر والكل بيه يعتنون
وفى جميع العلم ما لو نظير … فقيه مدرس فى جميع الفنون
يدرى الأصول والنحو معرب خطيب … ومنطقى فى الصرف عاقل مصون
جا الموت خذو وأصبحت بين الورا … فريد وجمع الناس بحزنى تبيح
ويندبو همّى عليه بالفراق … وما جرى من جفن عينى القريح
قوما بنا جمع الموالى والصحاب … نرثى الذى قد كان وكان فى الدهور
زين الوجود ما لو مثيل فى الورا … عارف بفن الشعر والكل زور
أصحابنا زيدوا النواح والنحيب … على أديب يدرى أصول البحور
مثلو أحد يحسن زجل فى الأنام … ولا موشّح لو وذو بيت صحيح
والفرق ظاهر مثل صبح الدجا … ما بين قاضى الكل والزمر ريح
كان فى الأدب ناظم وناثر فصيح … وقد حوى جملة محاسن ملاح
إن قلت فى التحرير حريرى النظام … بل سيدو لما تعدّ الفصاح
أو عنتر العبسى نهار المجال … أو نشر حاتم طىّ عند السفاح
وما لشمّاخ رقّتو فى البديع … وقيس ما ينقاس بنطقو الفصيح
وساير الحفّاظ تراهم لديه … ما يقتدوا إلا بقولو الصحيح
يا من روى الأخبار كان والدى … مختصّ بالآداب وكان لى مفيد
إذا اختبرتو صبت نطقو صواب … وإذا استشرتو كل رأيو رشيد