للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأمراء والعسكر وهم بالشاش والقماش، فأين ذاك النظام العظيم كيف ذهبت أوقاته؟ فيا أسفى على تلك الأيام كأنها كانت منامات، وقد قال القائل فى المعنى:

يا دهر بع رتب المعالى مسرعا … بيع الهوان ربحت أم لم تربح (١)

قدّم وأخّر من أردت من الورى … مات الذى قد كنت منهم تستحى

وفى يوم السبت خامس عشر ربيع الأول، أخلع ملك الأمراء خاير بك على الزينى بركات بن موسى المحتسب واستقرّ به أمير ركب المحمل، وكانت هذه الوظيفة لا يستقرّ بها إلا أمير مائة مقدّم ألف، ولعمرى إن هذه الوظيفة قد هانت حتى سامها كل مفلس، فأخلع عليه قفطان مخمل مذهبا ونزل من القلعة فى موكب حفل، وقدّامه أعيان المباشرين والأمراء العثمانية وجماعة من الأمراء الجراكسة والمماليك الجراكسة، وركب قدّامه قضاة القضاة، فرجّت له فى ذلك اليوم القاهرة، وزيّنت له الدكاكين، ووقدت له الشموع، وعلّقت له الأحمال بالقناديل، ولاقته مشايخ العربان من بنى حرام، وكاشف الشرقية، ومشت قدّامه جماعة من الأنكشارية نحو مائتى (٢) إنسان يرمون بالنفوط، ومشت قدّامه جماعة من القوّاسة نحو ثلثمائة قوّاس، ومشت قدّامه السقاءون (٣) يرشّون الماء بطول الطريق، ومشت قدّامه الضوّيّة بالمشاعل وعليها الفوط الزركش، ومشت قدّامه جميع الرسل قاطبة وبأيديهم العصى، ولاقاه الشعراء والشبابة السلطانية مثل مواكب السلاطين، ولاقاه المغانى من النساء بالطارات، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، وساقت قدّامه البرجاس عربان بنى حرام. وكان ذلك اليوم من الأيام المشهودة، قلّ أن بقى يقع لأحد من الأعيان موكب مثل ذلك، فلهج الناس بهذا الموكب لعله كان نهاية سعد الزينى بركات بن موسى، ولم يقع مثل هذا الموكب للملك المظفر سليم شاه ابن عثمان لما دخل إلى القاهرة حين ملكها. فلما نزل الزينى بركات بن موسى إلى داره أنعم على الأنكشارية بثلاثمائة دينار (٤) فحصّ (٥) كل واحد منهم أشرفى، وأنعم على


(١) تربح: تربحى.
(٢) مائتى: مايتين.
(٣) السقاءون: السقايين.
(٤) بثلاثمائة دينار: بثلاثماية ماية دينار.
(٥) فخص: فخلص.