الأوس: منّا أربعة: من اهتزّ له عرش الرّحمن سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسّلته الملائكة حنظلة بن عامر، ومن حمته الدّبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم " (١).
وهذا يحتمل أن يكون مراد أنس:" لم يجمعه غيرهم "، أي من الأوس، بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني (٢) وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة:
أحدها: أنّه لا مفهوم له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه.
ثانيها: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلاّ أولئك.
ثالثها: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلاّ أولئك، وهو/قريب من الثاني.
رابعها: أنّ المراد بجمعه تلقّيه من فيّ رسول الله ﷺ لا بواسطة بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقّى بعضه بالواسطة.
خامسها: أنّهم تصدوا لتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عن من عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه وليس الأمر في نفس الأمر كذلك.
سادسها: المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه، وأمّا هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب (٣).
قال في (فتح الباري):" والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنّ أبا بكر ﵁ كان
(١) المعجم الكبير ٣/ ٤٩٤ (٣٤١٠)، المستدرك ٤/ ٨٠ (٦٩٧٧)، ومسند البزار ١٣/ ٣٩٥ (٧٠٩٠)، ومسند أبي يعلى ٥/ ٣٢٩ (٢٩٥٣). (٢) الانتصار ١/ ١٨٠ وما بعدها. (٣) فتح الباري ٩/ ٥١، بتصرف كبير.