القرآن على أن المراد بهم الإنذار، بل قد قَصَرَهُم على ذلك مبالغةً، والآيات في ذلك لا تحصى، منها قوله تعالى حاكياً عن محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}[الأحقاف: ٩]، وقوله تعالى:{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ}[العنكبوت: ٥٠]، وقد أوضح الله الحجة بخلق العقول، ثم قطع الأعذار بالإنذار على ألسنة الرسل، والعلماء ورثة الأنبياء، وهذه نُكتة نفيسة فتأمَّلها.
الوجه الثاني: أنا نعلمُ وكُلُّ مُنْصِفٍ (١)، أنه لو حضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرت المَهَرَةُ من أئمَّة علوم الفلسفة، وأهل الدِّرية التامة بدقائق المنطق والكلام، وحضر أئمة علم الكلام من أهل الإسلام، وأرادوا المناظرة في الأدلة: أن أهل (٢) الكلام (٣) من المسلمين يكونون أحذق في المناظرة من رسول الله، وقد ذكر معنى هذا (٤) الإمام يحيى بن حمزة (٥) في بعض كتبه.
فإن قيل: إنه (٦) يلزم من هذا أن يكونوا أعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن جميع الأنبياء، وهذا معلوم القُبح والبطلان.
قلنا: معاذ الله أن يكون أحدٌ أعلم بالله، وبالأدلة عليه، وبالعلوم
(١) تحرفت في (ب) إلى: مصنف. (٢) ساقطة من (أ). (٣) من قوله: " وحضر أئمَّة " إلى هنا ساقط من (ب). (٤) في (ج): هذا المعنى. (٥) " ابن حمزة " ساقط من (ش). (٦) " إنه " ساقطة من (أ).