للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"بصره طامحًا إلى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج".

وقد تقدم في حديث البخاري السابق: "فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاسفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم".

ولم يقل جبريل عليه السلام: أنا، حيث قال له: من هذا؟ إنما سمى نفسه فقال: جبريل؛ لأن لفظ "أنا" فيه إشعار بالعظمة، وفي الكلام السائر: أول من قال: "أنا" إبليس فشقي، وأيضًا فقوله: "أنا" مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان.

وعلى هذا ف ينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟ لا يقول: "أنا"، بل


شدة نظره للمعراج الذي تعرج روحه عليه، وترى بصرية حالة كونه، "طامحًا"، أي: رافقًا بصره إلى السماء، "فإن ذلك"، أي: سببه "عجبه بالمعراج، وقد تقدم في حديث البخاري السابق" عن مالك بن صعصعة "فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟، قال: جبريل: قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟، قال: نعم، ولم يقل جبريل عليه السلام: أنا حيث قال له: من هذا؟، إنما سمى نفسه، فقال جبريل"، واقتصر عليه؛ لأنه ليس في الملائكة من تسمى بهذا الاسم غيره؛ "لأن لفظ أنا فيه إشعار بالعظمة" التي لا تخلو عن نوع تكبر، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر سمي لسمو مقامي، قاله ابن الجوزي.
قال بعضهم: وعادة العارفين المتقنين، أن يذكر أحدهم اسمه بدل قوله أنا، ولا في نحو إقرار، بحق، فالضمير أولى، "وفي الكلام السائر" الجاري بين الناس، "أول من قال أنا إبليس، فشقي"، وقال فرعون: أنا ربكم الأعلى فتعس، "وأيضًا، فقوله أنا مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان"، والضمير إذا عاد وتعين مضمره كان أعرف المعارف، والمستأذن محجوب عن المستأذن عليه، غير متعين عنده، فكأنه أحاله على جهالة، كما في ابن المنير وغيره.
"وعلى هذا فينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟، أن لا يقول: أنا، بل يقول: فلان"، ويصف نفسه بما يميزه عن غيره، فلا يكفي أن يقول محمدًا مثلًا، إلا إذا كان معروفًا للمخاطب بذلك الاسم، وقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على الذي استأذن عله، فقال: "من هذا؟، فقال: أنا، فقال -صلى الله عليه وسلم: أنا أنا" إنكارًا عليه، قاله ابن المنير وغيره.
وقال بعض المحققين: ذهبت طائفة من العلماء، وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الرجل

<<  <  ج: ص:  >  >>