للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأشد.

وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح.

ومن تواضعه -عليه الصلاة والسلام- أنه لم يكن له بوّاب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم.


حينئذ يختار الأشد" على النفس، لما فيه من عدم الجر إلى الإثم، "وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا أختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح" زاد الحافظ، وأما من قِبَلِ الله ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك، بأن يخيِّره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به، أن لا يتفرغ لعبادة مثلًا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفر، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه معنى الخطيئة؛ لثبوت العصمة له. انتهى.
"ومن تواضعه -عليه الصلاة والسلام- أنه لم يكن له بوَّاب راتب" فلا ينافي وجود بواب أحيانًا، لأمر ما، "كما جاء عن أنس، أنه قال: مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة" لم يعرف الحافظ اسمها، "وهي تبكي عند قبر" زاد في رواية بد الرزاق مرسلًا: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ، أو غيره، ولم يعرف الحافظ أيضًا اسم المقبور، قال: لكن في رواية مسلم إشعار بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرَّح به عبد الرزاق في مرسل يحيى بن أبي كثير، ولفظه: قد أصيبت بولدها، "فقال" لها: "يا أمة الله اتقي الله" خافي غضبه "واصبري" لا تجزعي ليحصل لك الثواب، "فقالت: إليك" اسم فعل، بمعنى تنح وابعد، "عني فإنك خلو" بكسر المعجمة، وسكون اللام، وبالواو، فارغ خالي البال "من مصيبتي" وفي رواية، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، "قال: فجاوزها ومضى، فمرَّ بها رجل" هو الفضل بن عباس، كما عند الطبراني في الأوسط، "فقال لها: ما قال لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟، قال: ما عرفته"؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شدة الوجد والبكاء، "قال: إنه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم" زاد مسلم في رواية، فأخذها مثل الموت من شدة الكرب الذي

<<  <  ج: ص:  >  >>