فَأَنْكَرَ فَطَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ كَانَتْ يَمِينُهُ غَمُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَإِنْ أَقَرَّ جَرَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا مِنْ الشَّرِّ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ فَأَفْتَيْته أَنَّهُ يَضُمُّ إلَى التَّوْبَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِحْسَانَ إلَى الزَّوْجِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَوْ الصَّدَقَةِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ ذَابًّا إيذَاءَهُ لَهُ فِي أَهْلِهِ، فَإِنَّ الزِّنَا بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ زَوْجِهَا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فِي عِرْضِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يَنْجَبِرُ بِالْمِثْلِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقَذْفِ الَّذِي جَزَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَكُونُ تَوْبَةُ هَذَا كَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ وَتَعْرِيضُهُ كَتَعْرِيضِهِ، وَحَلِفُهُ عَلَى التَّعْرِيضِ كَحَلِفِهِ.
وَأَمَّا لَوْ ظَلَمَهُ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إيفَاءِ الْحَقِّ فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا. وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْفَرْقِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ. قَالَ: وَهَذَا الْبَابُ وَنَحْوُهُ فِيهِ خَلَاصٌ عَظِيمٌ، وَتَفْرِيجُ كُرُبَاتٍ لِلنُّفُوسِ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي وَالْمَظَالِمِ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَجَمِيعُ النُّفُوسِ لَا بُدَّ أَنْ تُذْنِبَ فَتَعْرِيفُ النُّفُوسِ مَا يُخَلِّصُهَا مِنْ الذُّنُوبِ مِنْ التَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَاتِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ الشَّرِيعَةِ. انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الزِّنَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِحْلَالَ مِنْهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْمَظْلَمَةِ لَا إبَاحَتَهَا ابْتِدَاءً كَالدَّمِ وَالْقَذْفِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ أَنَّهُ يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ وَيَفْسَخُ نِكَاحَهَا لِأَجْلِ التُّهْمَةِ بِهِ وَغَلَبَةِ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ. وَإِنَّمَا يَتَحَالَفُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا زَمَنَ الْعِدَّةِ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ أَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ أَيْ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا لَوْ اقْتَصَّ مِنْ الْقَاتِلِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّ الْآدَمِيِّ هُنَا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْتَصَّ بِعُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا سِوَى الْحَدِّ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقِصَاصِ وَقَذْفِ الْآدَمِيِّ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ بِشَيْءٍ كَمَا فِي الْآدَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.