قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ: وَقِيلَ بَلْ يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقِفُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَعْفُو عَنْهُ وَلَا يُعَاقِبُهُ بِهِ، فَيَكُونُ عُقُوبَتُهُ الْمُحَاسَبَةَ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُؤَاخَذُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مُطْلَقًا، وَنُسِبَ ذَلِكَ إلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَمَلًا بِالْعُمُومَاتِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ النَّفْسَ عَلَيْهَا أَثِمَ فِي اعْتِقَادِهِ وَعَزْمِهِ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ وَانْتَصَرَ لَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ مَذْهَبَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَلَكِنْ قَالُوا إنَّ هَذَا الْعَزْمَ يُكْتَبُ سَيِّئَةً وَلَيْسَتْ السَّيِّئَةُ الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلْهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْرُ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْإِنَابَةِ، لَكِنَّ نَفْسَ الْإِصْرَارِ وَالْعَزْمِ مَعْصِيَةٌ فَتُكْتَبُ مَعْصِيَةً، فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَةً ثَانِيَةً، فَإِذَا تَرَكَهَا خَشْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ حَسَنَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ «إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي» فَصَارَ تَرْكُهُ لَهَا لِخَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُجَاهَدَتُهُ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانُهُ هَوَاهُ حَسَنَةٌ. وَأَمَّا الْهَمُّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ فَالْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا تُوَطَّنُ النَّفْسُ عَلَيْهَا وَلَا يُصَاحِبُهَا عَقْدٌ وَلَا نِيَّةٌ وَلَا عَزْمٌ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ قَوْلُنَا إنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ. وَقِيلَ لَا تَصِحُّ تَوْبَةُ غَيْرِ؛ عَاصٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي ذَنْبٍ يَتُوبُ مِنْهُ.
وَقَالَ مَوْلَانَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي الْغُنْيَةِ: التَّوْبَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ كُلِّ شَخْصٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ، لِأَنَّهُ إنْ خَلَا عَنْ مَعْصِيَةِ الْجَوَارِحِ فَلَا يَخْلُو عَنْ الْهَمِّ بِالذَّنْبِ بِالْقَلْبِ، وَإِنْ خَلَا عَنْهَا فَلَا يَخْلُو عَنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ بِإِيرَادِ الْخَوَاطِرِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُذْهِلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ خَلَا عَنْهَا فَلَا يَخْلُو عَنْ غَفْلَةٍ وَقُصُورٍ بِالْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَلِكُلِّ حَالٍ طَاعَاتٌ وَذُنُوبٌ وَحُدُودٌ وَشُرُوطٌ، فَحِفْظُهَا طَاعَةٌ وَتَرْكُهَا مَعْصِيَةٌ وَالْغَفْلَةُ عَنْهَا ذَنْبٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ وَعَزْمِ الرُّجُوعِ عَنْ التَّعْوِيجِ الَّذِي وُجِدَ إلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ، فَالْكُلُّ مُفْتَقِرٌ إلَى تَوْبَةٍ، وَإِنَّمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.