للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل:

إحداهما: أن الأقلِّين هم الأكثرون يوم القيامة.

والثانية: أن الأكثرين هم الأقلون.

أما الأولى: فقد تقدم الدليل عليها بما فيه كفاية.

وأما الثانية: ففي "الصحيحين" من حديث أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداك. قال: "يا أبا ذر! تعالَ". فمشيت معه ساعة فقال: "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" وذكر الحديث (١).

قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حضّ اللَّه رسوله على الزهد في الدنيا والإعراض عنها، وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحضّ عليها وعلى اكتسابها والاستكثار منها، كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حضّ على الزهد فيها والتقلّل دلّ على أن الزاهدين فيها المتقلّلين منها أفضل الطائفتين.

وقد أخبر أنها لو ساوت عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء (٢). وأنها أهون على اللَّه من السخلة الميتة على


(١) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٤٣)، و"صحيح مسلم" (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨) رقم (٩٤).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>