رفعة له وزيادة في كرامته، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم.
وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي ﷺ، وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه؟! فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه أنه مَلِك طالبُ مُلكٍ ودنيا، لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم، ولقد توفاه اللَّه وإن درعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله (١)، وقد فتح اللَّه عليه بلاد العرب وجُبيَت إليه الأموال، ومات ولم يترك درهمًا واحدًا ولا دينارًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة.
قال الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة: أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول اللَّه ﷺ نار. قالت: يا خالة فعلى أيّ شيء كنتم تعيشون؟ قالت:"على الأسودين: التمر والماء"(٢).
وقد تقدم حديث أبي هريرة في قصة أبي الهيثم بن التّيهان، وإنه خرج رسول اللَّه ﷺ-من بيته فرأى أبا بكر وعمر فقال:"ما أخرجكما؟ " قالا: الجوع، قال:"أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما"(٣).
وذكر أحمد من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة فدعت لي
(١) وقد سبق تخريجه ص (٣٠٢). (٢) "المسند" (٦/ ٧١). والحديث رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٥٦٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٢). (٣) تقدم ص (٣٦٨) وانظر ص (٣٦٦).