الفتنة التي هي الفعل السيء (١) كما في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[البروج/ ١٠]، وكما في قوله:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}[البقرة/ ١٩٣]، فإنَّ تلك فتنة المخلوق. وموسى (٢) أعلم باللَّه تعالى أن يضيف إليه هذه الفتنة. وإنَّما هي كالفتنة في قوله تعالى:{وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}[طه/٤٠] أي ابتليناك، واختبرناك، وصرَّفناك في الأحوال التي قصَّها اللَّه سبحانه علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابَه (٣).
والمقصود أنَّ موسى -صلى اللَّه عليه وسلم- شهد توحيدَ الرب وانفرادَه بالخلق والحكم، وفعلَ السفهاء ومباشرتَهم الشرك، فتضرع إليه بعزَّته وسلطانه وأضافَ الذنب إلى فاعله وجانيه. ومن هذا قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} قال تعالى: {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)} [القصص/ ١٦].
وهذا مشهد ذي النون، إذ يقول: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)} [الأنبياء/ ٨٧] فوحَّد ربَّه تعالى، ونزَّهه عن كلِّ عيبٍ، وأضافَ الظلم إلى نفسه.
وهذا مشهد صاحب سيِّد الاستغفار، حين (٤) يقول في دعائه: "اللَّهم أنت ربِّي لا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتَني وأنا عبدُكَ، وأنا على عَهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بِكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك