للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ...

(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة آل عمران (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) ؛ كظم الغيظ: هو أن يمتلىء غيظا فيردّه في جوفه؛ ولا يظهره بقول ولا فعل، ويصبر عليه ويسكت عنه. ومعنى الآية: أنّهم يكفّون غيظهم عن الإمضاء مع القدرة، ويردّون غيظهم في أجوافهم. وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم.

عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني؛ عن أبيه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظا؛ وهو يستطيع أن ينفذه؛ دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء» . أخرجه الترمذيّ، وأبو داود.

وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما: «من كظم غيظا؛ وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» .

وأخرج الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» .

وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ خادما لها غاظها، فقالت: لله درّ التقوى؛ ما تركت لذي غيظ شفاء!!.

(وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ممّن ظلمهم؛ أي: التاركين عقوبتهم. يعني:

إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، فتكون الآية على العموم.

روي أنّه صلّى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الّذين كانت أجورهم على الله؟! فلا يقوم إلّا من عفا» .

وعن ابن عيينة أنّه رواه للرّشيد وقد غضب على رجل؛ فخلّاه.

وروي أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إنّ هؤلاء في أمّتي قليل؛ إلّا من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت» . وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا؛ وهو ظاهر، وأن يكون متّصلا؛ لما في القلّة من معنى العدم؛ كأنّه قيل: إنّ هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلّا من عصم الله؛ فإنه يوجد في أمّتي. قاله الجمل على «الجلالين» .

<<  <  ج: ص:  >  >>