وفي الآية أدلّة على فضل أبي بكر الصّدّيق، لأنّ الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح، وذكره بلفظ الجمع في قوله أُولُوا الْفَضْلِ، وقوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وهذا يدلّ على علوّ شأنه ومرتبته؛
منها: أنّه احتمل الأذى من ذوي القربى، ورجّع عليه ما كان ينفقه عليه، وهذا من أشدّ الجهاد؛ لأنّه جهاد النّفس.
ومنها: أنّه تعالى قال في حقّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، وقال في حقّ أبي بكر: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فدلّ أنّ أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلّى الله عليه وسلم في جميع الأخلاق؛ قاله الخازن.
وهذه الآية وإن نزلت في أبي بكر؛ فالنبيّ صلّى الله عليه وسلم داخل في عمومها؛ كما في سائر الخطابات، فلا يرد على المصنّف أنّ هذه الآية ليست في حقه صلّى الله عليه وسلم!
وقال النسفي: يعني أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك؛ كما لو أساء إليك رجل إساءة؛ فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، ومثل أن يذمّك؛ فتمدحه، أو يقتل ولدك؛ فتفتدي ولده من يد عدوّه. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ؛ أي: فيصير عدوّك كالصديق القريب في محبّته إذا فعلت ذلك.