النّهَارِ وَبَلَغَنَا مُصَابَ [ (١) ] رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرّقَ النّاسِ عَنْهُ، جِئْت مَعَ غِلْمَانٍ مِنْ بَنِي خَدِرَةَ نَعْتَرِضُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَنْظُرُ إلَى سَلَامَتِهِ فَنَرْجِعُ بِذَلِكَ إلَى أَهْلِنَا، فَلَقِينَا النّاسَ مُنْصَرِفِينَ بِبَطْنِ قَنَاةٍ [ (٢) ] ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا هِمّةٌ إلّا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَنْظُرُ إلَيْهِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيّ قَالَ: سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ؟ قُلْت: نَعَمْ، بِأَبِي وَأُمّي! فَدَنَوْت مِنْهُ فَقَبّلْت رُكْبَتَهُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ. ثُمّ قَالَ: آجَرَك اللهُ فِي أَبِيك!
ثُمّ نَظَرْت إلَى وَجْهِهِ فَإِذَا فِي وَجْنَتَيْهِ مَوْضِعُ الدّرْهَمِ فِي كُلّ وَجْنَةٍ، وَإِذَا شَجّةٌ فِي جَبْهَتِهِ عِنْدَ أُصُولِ الشّعْرِ، وَإِذَا شَفَتُهُ السّفْلَى تَدْمَى، وَإِذَا رَبَاعِيَتُهُ الْيُمْنَى شَظِيّةٌ، فَإِذَا عَلَى جُرْحِهِ شَيْءٌ أَسْوَدُ. فَسَأَلْت: مَا هَذَا عَلَى وَجْهِهِ؟ فَقَالُوا: حَصِيرٌ مُحَرّقٌ.
وَسَأَلْت: مَنْ دَمّى وَجْنَتَيْهِ؟ فَقِيلَ: ابْنُ قَمِيئَةَ. فَقُلْت: مَنْ شَجّهُ فِي جَبْهَتِهِ؟
فَقِيلَ: ابْنُ شِهَابٍ. فَقُلْت: مَنْ أَصَابَ شَفَتَهُ؟ فَقِيلَ: عُتْبَةُ. فَجَعَلْت أَعْدُو بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى نَزَلَ بِبَابِهِ، فَمَا نَزَلَ إلّا حَمْلًا، وَأَرَى رُكْبَتَيْهِ مَجْحُوشَتَيْنِ، يَتّكِئُ عَلَى السّعْدَيْنِ- سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ.
فَلَمّا غَرَبَتْ الشّمْسُ وَأَذّنَ بَلَالٌ بِالصّلَاةِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ يَتَوَكّأُ عَلَى السّعْدَيْنِ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ، وَالنّاسُ فِي الْمَسْجِدِ يُوقِدُونَ النّيرَانَ يُكَمّدُونَ بِهَا الْجِرَاحَ. ثُمّ أَذّنَ بِلَالٌ بِالْعِشَاءِ حِينَ غَابَ الشّفَقُ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسَ بِلَالٌ عِنْدَ بَابِهِ حَتّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ ثُمّ نَادَاهُ: الصّلَاةَ، يَا رَسُولَ اللهِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ نَائِمًا. قَالَ: فَرَمَقْته فَإِذَا هُوَ أَخَفّ فِي مِشْيَتِهِ مِنْهُ حِينَ دَخَلَ بَيْتَهُ، فَصَلّيْت مَعَهُ الْعِشَاءَ ثم رجع إلى بيته، وقد صفّ
[ (١) ] فى ت: «مضارب» .[ (٢) ] قناة: أحد أودية المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٣) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.